أوروبا تواجه تحديات دفاعية مع تغير دور أمريكا الاستراتيجي

مع تصاعد التوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعدد من العواصم الأوروبية، تبرز تساؤلات متزايدة داخل أوروبا حول مدى الاعتماد على واشنطن في الملفات الأمنية الاستراتيجية، من أوكرانيا إلى حلف الناتو وحتى جرينلاند.

ويرى الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، الجنرال دومينيك ترانكون، في مقابلة مع سكاي نيوز عربية، أن هذا التحرك يعكس تحولاً طويل الأمد في نهج الولايات المتحدة تجاه أمن القارة الأوروبية، مما يفرض على الأوروبيين إعادة تقييم منظومتهم الدفاعية بشكل شامل.

أوروبا أمام تحول استراتيجي جديد ودور أمريكا المتغير

قدم ترانكون قراءة معمقة للتغيرات التي يشهدها الأمن الأوروبي، مؤكدًا أن الولايات المتحدة بدأت تقلل من دورها المباشر في قيادة الدفاع الأوروبي، مفضلة أن يتحمل الأوروبيون العبء الأكبر لحماية أنفسهم، مع الاكتفاء بدور داعم أمريكي.

وأشار إلى أن جذور هذا التوجه تعود إلى رؤية قديمة مشابهة لما اعتمدته فرنسا في عهد الجنرال شارل ديغول، حيث كان الاستقلال العسكري ركيزة استراتيجية. إلا أن الجديد اليوم، وفق ترانكون، هو أن واشنطن نفسها بدأت تصرح بوضوح بأن أوروبا يجب أن تتحمل مسؤولياتها الدفاعية، وهو ما دفع الدول الأوروبية إلى تعزيز قدراتها العسكرية استعدادًا لأي سيناريو قد يشهد تراجعًا في الدعم الأمريكي، خاصة فيما يتعلق بأوكرانيا، التي تعتبرها واشنطن “قضية أوروبية يجب أن تُدار أوروبياً”.

إعادة بناء القدرات الدفاعية الأوروبية

وأكد الخبير أن هذا التوجه لا ينشأ نتيجة ضغط من أوروبا، بل هو نتيجة استراتيجية أمريكية مباشرة، مستعرضًا أن فترة ولاية ترامب الأولى شهدت وضعًا متأرجحًا، فيما بدأت الرؤية تتضح اليوم أكثر. وأضاف أن الأوروبيين، بعد عقود من افتراض أن السلام بعد تفكك الاتحاد السوفياتي يقلل الحاجة للتسلح، يجدون أنفسهم مضطرين لإعادة بناء قدراتهم الدفاعية، وهي عملية ستستغرق عدة سنوات لترسيخها.

الاستعداد لمواجهات غير عسكرية

ولم يقتصر التحول على الجانب العسكري التقليدي، بل شدد ترانكون على ضرورة الاستعداد أيضًا لمواجهات غير عسكرية تشمل أبعادًا اقتصادية ونفسية. وفي هذا السياق، أشار إلى أزمة جرينلاند الأسبوع الماضي مع ترامب، التي أثبتت قدرة الأوروبيين على مقاومة “السردية الترامبية”، رغم أن هذا لا يلغي أهمية تعزيز استقلالهم العسكري مستقبلاً.

اقرأ أيضاً:الولايات المتحدة تعزز قواتها في المنطقة استعدادًا لأي هجوم محتمل

التسلح وزيادة الميزانيات الدفاعية

أوضح ترانكون أن أوروبا بدأت بتحريك ملف التسلح، حيث قررت رفع ميزانياتها الدفاعية إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة 2% سابقًا، مع التركيز على الاعتماد على معدات محلية، تشمل الأسلحة والصواريخ بعيدة المدى، إلى جانب تعزيز القدرات المرتبطة بالحرب في أوكرانيا.

وأشار إلى أن أوروبا لا تزال جزءًا من منظومة الناتو التي تضم الولايات المتحدة وكندا، لكن المطلوب هو تمكين الدول الأوروبية من العمل بشكل مستقل داخليًا، دون الحاجة لاعتماد كامل على واشنطن. واعتبر أن التجربة الفرنسية والبريطانية في إدارة ائتلافات عسكرية أوروبية طوعية تمثل نموذجًا إيجابيًا في هذا المجال.

جرينلاند وكندا بين الضغط الأمريكي والتعاون الأوروبي

تطرق ترانكون إلى محاولات ترامب بشأن جرينلاند، واصفًا إياها بأنها اختبار مباشر للأوروبيين والكنديين، مشيرًا إلى مناقشات جرت في دافوس حول إمكانية تولي الناتو مسؤولية الدفاع عن الجزيرة بالتعاون مع الولايات المتحدة، مع إعادة النظر في الاتفاق العسكري الأمريكي الدنماركي القديم منذ عام 1951. وأكد أن سيادة جرينلاند لم تعد مهددة في ظل ترتيبات التعاون الأوروبي الأمريكي.

تغير المعادلات الدفاعية مع كندا

كما أشار إلى تصريحات ترامب بشأن رغبة ضم كندا، مؤكدًا أن رد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أظهر تغير المعادلات، حيث ينبغي للقوى الوسطى مثل كندا وأوروبا أن تتعاون لموازنة النفوذ الأمريكي. وأضاف ترانكون أن هذه الخطوة تمثل بداية نوع من “المقاومة المنظمة”، خصوصًا مع وجود كندا ضمن منظومة الدفاع الشمالي الأمريكية “نوراد”، ما قد يؤدي إلى مراجعة الاتفاقيات الدفاعية القائمة.

الولايات المتحدة لن تتمكن من ضم دول مستقلة

واختتم ترانكون بالقول إن الولايات المتحدة لن تتمكن من ضم دول مستقلة، مثل الدنمارك وكندا، مؤكدًا أن توازنات التحالفات والقدرات المشتركة تظل عاملًا حاسمًا يمنع أي سيناريو من هذا النوع.

Related posts

 جزيرة إبستين.. الجنة المزيفة التي أخفت أفظع شبكة جرائم في العالم!

«انحناء الزومبي» في دهب يثير الذعر.. هل وصل أخطر مخدر في العالم إلى مصر؟

شارع العريش يتحول لساحة حرب في فيصل.. سنج وكزالك في مشاجرة عنيفة تهز الجيزة (فيديو وصور)