يواجه استقلال البنوك المركزية حول العالم ما يشبه «سكتة قلبية» سياسية واقتصادية، في ظل تصاعد الضغوط التي يمارسها سياسيون للتأثير على قرارات السياسة النقدية. وينظر إلى هذه التطورات باعتبارها تهديدًا مباشرًا لأحد أهم ركائز الاستقرار الاقتصادي، والمتمثل في قدرة البنوك المركزية على اتخاذ قرارات بعيدة عن الحسابات الانتخابية قصيرة الأجل.
وتظهر التجارب التاريخية أن تآكل استقلال البنوك المركزية غالبًا ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم، واضطراب الأسواق المالية، وتراجع ثقة المستثمرين.
الاحتياطي الفيدرالي في قلب العاصفة
في الولايات المتحدة، أعلن جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أن البنك تلقى إخطارًا باستعدادات من وزارة العدل لإجراء تحقيق يتعلق بتكاليف تجديد المقر الرئيسي للبنك. وعلى الرغم من الطابع الإداري الظاهر للتحقيق، يرى مراقبون أن توقيته يثير تساؤلات حول أبعاده السياسية، خاصة في ظل حساسية المرحلة الحالية.
ويأتي ذلك في وقت يتعرض فيه الاحتياطي الفيدرالي لانتقادات متزايدة بشأن سياسته المتعلقة بأسعار الفائدة، وسط جدل واسع حول توقيت خفضها أو الإبقاء عليها عند مستويات مرتفعة.
أسعار الفائدة تحت المجهر السياسي
يربط محللون بين تصاعد الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي وبين الجدل الدائر حول مسار أسعار الفائدة قبيل تغيرات سياسية مرتقبة. فقرارات الفائدة باتت محورًا رئيسيًا في النقاش العام، نظرًا لتأثيرها المباشر على التضخم، وأسواق العمل، وتكاليف الاقتراض للأسر والشركات.
ويرى خبراء أن أي تدخل سياسي مباشر أو غير مباشر في هذه القرارات قد يقوض مصداقية الفيدرالي، ويضعف قدرته على تحقيق أهدافه المزدوجة المتمثلة في استقرار الأسعار ودعم التوظيف.
تغييرات مرتقبة في قيادة الفيدرالي
تزداد حساسية المشهد مع اقتراب موعد محتمل لتغيير قيادة الاحتياطي الفيدرالي، إذ يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تعيين بديل لجيروم باول في مايو 2026. ويخشى مراقبون أن يتحول هذا الملف إلى أداة ضغط إضافية للتأثير على توجهات السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وتشير هذه التطورات إلى أن استقلال البنك المركزي قد يصبح ورقة تفاوض سياسي، بدلًا من كونه مبدأً مؤسسيًا راسخًا.
تهديد يتجاوز الولايات المتحدة
لا يقتصر هذا التحدي على الولايات المتحدة وحدها، بل يمتد إلى الأسواق العالمية، حيث تواجه بنوك مركزية في عدة دول ضغوطًا مشابهة من حكومات تسعى إلى سياسات نقدية أكثر مرونة لدعم النمو أو تخفيف أعباء الديون.
ويحذر اقتصاديون من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى موجات تضخم جديدة وتقلبات حادة في الأسواق المالية، ما يضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين.