لم يكن أحد يتوقع أن يتحوّل الهدوء الثقيل في قرية بومرداس، ببلدية الناصرية شرق العاصمة الجزائرية، إلى أكثر المشاهد قسوة في ذاكرة بومرداس. بيتٌ صامت، أبوابه مغلقة، يخفي داخله جريمة تهتز لها القلوب قبل الأبدان: أب يُنهي حياة أطفاله الخمسة، ثم يلحق بهم تاركًا خلفه أمًا عادت لتجد أسرتها كاملة وقد تحولت إلى توابيت بلا صوت.
المشهد الأول: صمت يسبق العاصفة
قبل صباح السبت، كان المنزل هادئًا بشكل مريب. الأم غائبة في زيارة عائلية، والأب. بالداخل مع أطفاله: ثلاث بنات وولدان. صرخة غامضة اخترقت السكون. سمعها أحد الجيران، فدق ناقوس الخطر. ما إن فُتح الباب حتى انكشفت الفاجعة: ستة أجساد هامدة، ورائحة الموت تخنق المكان.
المشهد الثاني: لغز الغاز وروح الملح
في الساعات الأولى، تضاربت الروايات. أنبوبة غاز مفتوحة. ما عزز فرضية الاختناق الجماعي. لكن التحقيقات الأولية. كشفت سيناريو أشد رعبًا:
الأب – المشتبه الرئيسي – أقدم على قتل أطفاله أولًا، ثم حاول إنهاء حياته. نقل إلى مستشفى برج منايل. حيث لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بتجريعه مادة روح الملح (حمض الهيدروكلوريك). إحدى أكثر وسائل الانتحار ألمًا ووحشية، في مشهد يعكس ذروة الانهيار النفسي وكراهية الذات.
المشهد الثالث: أمٌ عادت لتنهار
عادت الأم من زيارتها العائلية لتصطدم بخبر لا يتحمله بشر. بيتها، أطفالها، حياتها. كل شيء انتهى في لحظة. مصادر محلية تحدثت عن محاولة انتحار. وأخرى عن انهيار عصبي حاد استدعى نقلها للمستشفى تحت رعاية طبية ونفسية مشددة. نجت بجسدها، لكن قلبها ترك هناك، بين الجدران التي شهدت نهاية أسرتها.
المشهد الرابع: وداع لا يُحتمل
يوم الاثنين، شيّعت قرية بومرداس الضحايا الستة في جنازة مهيبة. مقبرة أثعلين امتلأت بالدموع، والذهول سيّد الموقف. أسئلة ثقيلة تلاحق الجميع: كيف حدث هذا؟ ولماذا؟
شهادات الجيران والتحقيقات
الجيران وصفوا الأب بأنه هادئ، طيب، وصبور، يعمل بشكل طبيعي ولا يُظهر عنفًا أو اضطرابًا واضحًا.
شهادات أخرى أشارت إلى مشاكل في العمل وضغوط معيشية خانقة.
مختصون يرون أن هذا النمط يتكرر في جرائم الإبادة العائلية: شخص يبدو متزنًا ظاهريًا، لكنه ينهار داخليًا بصمت قاتل.
ما يُعرف بـ**«القتل بدافع الرحمة المشوهة»** قد يكون حاضرًا: قناعة مريضة بإنهاء حياة الأبناء “حمايةً لهم” من مستقبل يراه مظلمًا.
جرس إنذار
فاجعة الناصرية ليست مجرد جريمة بل صرخة مدوية عن الصحة النفسية الصامتة، وعن آباء يختنقون تحت ضغوط العمل والديون وتوقعات المجتمع دون دعم أو إنصات.
هل تكفي الضغوط الاقتصادية وحدها لارتكاب هذه الفظائع؟
أم أن هناك مرضًا صامتًا مرّ أمام الجميع… ولم ينتبه له أحد؟
خاتمة مؤلمة:
ألف سؤال بلا إجابة، ووجع لن يندمل.
رحم الله الأطفال الأبرياء وألهم الأم صبرًا يليق بحجم الفقد.
ولعل هذه الفاجعة تكون آخر ناقوس قبل أن يتحول الصمت إلى مقبرة جديدة.