في عالمٍ يعيد تشكيل موازين القوة والنفوذ، لم تعد المؤتمرات العالمية مجرد منابر للخطابة. بل تحولت إلى مؤشرات حقيقية لاتجاه البوصلة الاقتصادية الدولية.
ومن هذا المنطلق. جاءت النسخة التاسعة من مبادرة مستقبل الاستثمار لتؤكد أن الرياض لم تعد محطة في طريق الاقتصاد العالمي. بل أصبحت مركزًا من مراكزه الفاعلة؛ حيث يعاد تعريف معنى الاستثمار على أسس جديدة تتجاوز حدود المال إلى الفكر والتقنية والاستدامة.
من حوار المال إلى حوار العقول
المنتدى الذي جمع قادة المال والأعمال والفكر من أكثر من 90 دولة، لم يكن مجرد احتفال بالإنجازات، بل إعلان مرحلة جديدة من الاقتصاد النوعي.
فالموضوعات لم تقتصر على الأسواق أو الأرباح، بل انصبت على كيفية بناء توازن عالمي بين الربح والمسؤولية. وعلى دور الإنسان في توجيه التكنولوجيا نحو خدمة التنمية لا العكس.
وفي كل جلسة، بدا واضحًا أن العالم يصغي لما تقوله السعودية. ليس فقط لما تملكه من ثقل مالي، بل لما تقدمه من رؤية استراتيجية تربط بين النمو والتنمية، والابتكار والاستقرار.
«مجلس العقول» وصناعة الحلول
كذلك تحولت مبادرة مستقبل الاستثمار خلال سنوات قليلة إلى ما يشبه «مجلس العقول» العالمي. الذي يناقش القضايا الكبرى مثل الذكاء الاصطناعي، الطاقة النظيفة، الصحة الوقائية، وسلاسل الإمداد العالمية.
لكن ما ميز النسخة التاسعة هو أن التركيز لم يعد على التحديات فحسب، بل على الحلول الواقعية القابلة للتنفيذ. في انعكاس لنضج الفكر الاقتصادي السعودي وتحوله من مرحلة التخطيط إلى مرحلة القيادة التنفيذية للتغيير.
رؤية 2030.. من التنويع إلى التأثير
بينما تقف خلف هذا الزخم العالمي رؤية المملكة 2030، التي جعلت من التنويع الاقتصادي هدفًا، ومن التأثير العالمي نتيجة طبيعية.
فالمنتدى لم يكن ساحة لتوقيع الصفقات فحسب، بل منصة لتشكيل اتجاهات استثمارية جديدة تمتد من الاقتصاد الأخضر إلى الذكاء الاصطناعي المسؤول.
واللافت أن الحضور الدولي لم يعد يبحث عن الفرص داخل السعودية فقط. بل يسعى إلى التعلم من تجربتها في بناء اقتصاد معرفي متوازن ومستدام.
الاقتصاد العالمي.. نحو إعادة تعريف القيمة
الرسالة الأعمق التي بعث بها المنتدى هي أن الاقتصاد العالمي يحتاج إلى إعادة تعريف أولوياته: فالقيمة لم تعد تقاس برأس المال وحده، بل بـالابتكار، والوعي، والقدرة على التغيير.
والمملكة، برؤيتها ومؤسساتها وجرأتها الفكرية، تثبت أنها قادرة على قيادة هذا التحول، مستندة إلى قاعدة مالية قوية وبيئة استثمارية متطورة.
الرياض.. حيث تصاغ التحولات
من ينظر إلى مشهد المنتدى هذا العام، يدرك أن ما يحدث في الرياض لا يشبه أي عاصمة أخرى؛ فهنا تصنع السياسات قبل أن تعلن، وتصاغ التحولات قبل أن تطبق.
لقد تجاوزت مبادرة مستقبل الاستثمار كونها حدثًا دوريًا إلى أن أصبحت أحد المحركات الأساسية لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد الطاقة التقليدية وما قبل الاقتصاد المعرفي الكامل.
المستقبل له عنوان جديد
باختصار، ما حدث في الرياض هذا الأسبوع ليس مؤتمرًا فخمًا، بل إعلان هادئ أن المستقبل بات له عنوان جديد… وهو الرياض.