كشفت وزارة المالية السعودية والهيئة العامة للإحصاء عن بيانات الأداء المالي والاقتصادي لعام 2025، وهي المؤشرات التي عكست بوضوح متانة الاقتصاد السعودي وقدرته الفائقة على المواءمة بين استدامة النمو المالي وتحقيق المستهدفات الاستراتيجية لرؤية المملكة 2030. وتأتي هذه النتائج بالتزامن مع إقرار ميزانية عام 2026، التي تمثل جسرًا جوهريًا نحو المرحلة الثالثة والأخيرة من الرؤية، وهي المرحلة التي أطلقت عليها القيادة “مرحلة الإنجاز وتكثيف التنفيذ” لضمان جني ثمار الإصلاحات الهيكلية التي شهدتها البلاد.
تشريح الأداء المالي لعام 2025 وتنوع الموارد
أظهرت البيانات الختامية لوزارة المالية أن المملكة سجلت إجمالي إيرادات بلغ 1111 مليار ريال خلال عام 2025، وفي المقابل بلغ إجمالي الإنفاق الفعلي نحو 1388 مليار ريال، مما أدى إلى تسجيل عجز مالي قدره 276 مليار ريال. وبالنظر إلى تفاصيل هذه الأرقام، يتضح نجاح الدولة في تعزيز مواردها من خلال مسارين متوازيين، حيث بلغت الإيرادات النفطية 606.54 مليار ريال مستفيدة من السياسات الحصيفة في قطاع الطاقة، بينما سجلت الإيرادات غير النفطية رقمًا قياسيًا جديدًا ببلوغها 505.28 مليار ريال، مما يؤكد أن القاعدة الإنتاجية والاستثمارية للمملكة تتوسع بوتيرة متسارعة لتقليص الارتهان التاريخي لتقلبات أسواق النفط.
النمو الاقتصادي والأنشطة غير النفطية كقاطرة وطنية
لم تقتصر المنجزات على الأرقام المالية فحسب، بل امتدت لتشمل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الذي سجل ارتفاعاً لافتاً بنسبة 4.5% في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، وهي نسبة تعكس مرونة الاقتصاد في مواجهة التحديات العالمية. وقد حققت الأنشطة النفطية نموًا بنسبة 5.6% ساهم بمقدار 1.4 نقطة مئوية في الناتج المحلي، بينما ظلت الأنشطة غير النفطية هي المحرك الحقيقي للنمو بتسجيلها 4.9% لتكون المساهم الأكبر في دفع عجلة الاقتصاد بمقدار 2.7 نقطة مئوية، في حين حافظت الأنشطة الحكومية على مسار نمو متزن بنسبة 0.9% وفق تقديرات الهيئة العامة للإحصاء.
الربع الرابع 2025 وتحولات بنية الدخل
شهد الربع الأخير من عام 2025 تسارعًا قياسيًا في نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.9% على أساس سنوي، حيث برز في هذا الربع نمو استثنائي للأنشطة النفطية بنسبة 10.4%. أما على الصعيد المالي لهذا الربع، فقد بلغ الإنفاق 371 مليار ريال مقابل إيرادات بـ 276 مليار ريال، مما نتج عنه عجز ربعي قدره 94.85 مليار ريال. والمفارقة الإيجابية الجوهرية تكمن في أن الإيرادات غير النفطية خلال هذا الربع بلغت 154.18 مليار ريال، متجاوزة بذلك الإيرادات النفطية التي استقرت عند 122.55 مليار ريال، وهو ما يعطي دلالة قطعية على عمق التحول الهيكلي في مصادر الدخل القومي السعودي.
ميزانية 2026 واستراتيجية المرحلة الثالثة
في خطوة استراتيجية مدروسة، أقر مجلس الوزراء السعودي ميزانية عام 2026 التي تعزز النهج التوسعي للحكومة بزيادة في الإنفاق بنسبة 2% عن الميزانية التقديرية للعام السابق. وتقدر الميزانية الجديدة الإيرادات بنحو 1.147 تريليون ريال مقابل نفقات تقدر بـ 1.313 تريليون ريال، مع توقعات بتقلص العجز إلى 165.4 مليار ريال. وتمثل هذه الميزانية نقطة الانطلاق للمرحلة الثالثة من رؤية 2030، حيث يتم التركيز بشكل مكثف على تسريع الإنجاز الميداني للمشاريع الكبرى وتحويل الخطط الاستراتيجية إلى واقع ملموس يلمسه المواطن والمستثمر على حد سواء.
التوجيهات الملكية ووضع المواطن في الصدارة
كما جاء توجيه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، للوزراء والمسؤولين حاسمًا ومباشرًا. بضرورة الالتزام الفاعل في تنفيذ ما تضمنته الميزانية من برامج تنموية واجتماعية. وأكد سموه أن الغاية الأساسية من هذا الإنفاق التوسعي هي تحقيق مستهدفات الرؤية بالكامل. مع وضع المواطن وخدمته في صدارة كافة الأولويات الحكومية. وضمان أن ينعكس هذا النمو الاقتصادي على جودة الحياة ورفاهية المجتمع. مما يجعل من ميزانية 2026 أداة لتحقيق التنمية المستدامة والشاملة.
التحليل الختامي وقراءة المشهد الاقتصادي
في حين إن التوافق الكبير بين تقديرات وزارة المالية والنتائج الفعلية للهيئة العامة للإحصاء يعكس مستوى عاليًا من الشفافية والدقة في التخطيط المالي السعودي. كما أن قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو ربعي معدل موسميًا بنسبة 1.1% في الربع الأخير من 2025، رغم الظروف الدولية المتقلبة. تبعث برسالة ثقة قوية للمجتمع الاستثماري العالمي. إن الزيادة المخطط لها في إنفاق 2026 ليست مجرد زيادة رقمية، بل هي ضخ رأسمالي. يستهدف القطاعات الواعدة لضمان استمرار زخم النمو غير النفطي. مما يؤكد أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو مستقبل اقتصادي لا يعتمد كليًا على الموارد الطبيعية بل على الإنتاجية والابتكار.