أعلن الملياردير صاحب الرؤى الجريئة، ومؤسس عمالقة مثل “تسلا” و”سبيس إكس”، إيلون ماسك، عن تأسيس حزب سياسي جديد أطلق عليه اسم “حزب أمريكا”، في تطور قد يثير زلزالاً في المشهد السياسي الأمريكي الراكد.
حزب أمريكا.. من استطلاع رأي افتراضي إلى واقع سياسي محتمل
لم يتردد ماسك طويلاً في ترجمة رغبة متابعيه إلى فعل. فبعد أن صوت ما يقارب 1.25 مليون شخص، أو ما يعادل 65.4% من المشاركين في استطلعه، بـ “نعم” على فكرة تأسيس حزب جديد، جاء تعليقه ليحمل وعداً صريحاً: “بنسبة اثنين إلى واحد، تريدون حزباً سياسياً جديداً، وستحصلون عليه!”. ولم تمضِ ساعات قليلة حتى أعلن ماسك في منشور لاحق وبشكل حاسم: “اليوم، تأسس حزب أمريكا ليعيد لكم حريتكم”. هذا الإعلان، الذي تزامن بشكل رمزي مع احتفالات عيد الاستقلال الأمريكي، عكس رسالة ماسك التي مفادها أن “يوم الاستقلال هو اليوم المثالي لتسألوا أنفسكم: هل تريدون الاستقلال عن نظام الحزبين، (أو كما يسميه البعض، الحزب الواحد؟)”.
دوافع ماسك المعلنة لتأسيس هذا الكيان السياسي الجديد تتجذر في انتقاده اللاذع لما يصفه بـ “نظام الحزب الواحد الفعلي” في الولايات المتحدة. يرى ماسك أن هذا النظام، على الرغم من وجود حزبين رئيسيين، يؤدي إلى “إفلاس بلدنا بالإسراف والرشوة”، مؤكداً أن الهدف الأساسي لـ “حزب أمريكا” هو استعادة الحريات المفقودة للمواطنين الأمريكيين.
استراتيجية “الجراحة الدقيقة” في الكونغرس
على عكس التوقعات التي قد تراود البعض حول محاولة إيلون ماسك اجتياح المشهد السياسي الأمريكي دفعة واحدة، يبدو أن الملياردير يعتمد استراتيجية “الجراحة الدقيقة” في الكونغرس. فقد كشف ماسك عن خطة تركز “بشكل دقيق على مقعدين أو 3 فقط في مجلس الشيوخ، وعلى ما بين 8 إلى 10 دوائر انتخابية في مجلس النواب”. هذا التكتيك يشير بوضوح إلى رغبة في بناء قاعدة نفوذ تدريجية ومؤثرة داخل أروقة السلطة التشريعية، بدلاً من محاولة منافسة واسعة النطاق على جميع المستويات قد تكون مكلفة ومحفوفة بالمخاطر. هذا النهج قد يسمح للحزب الجديد بالتركيز على قضايا محددة واكتساب التأييد في مناطق استراتيجية، مما يمكنه من لعب دور “صانع الملوك” أو القوة المرجحة في بعض التشريعات الهامة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيلون ماسك
خلاف ترامب يدفع ماسك نحو المسار الثالث
لا يمكن فصل هذه الخطوة الجريئة عن التوتر الأخير الذي شهدته العلاقة بين إيلون ماسك والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فالعلاقة التي كانت توصف بأنها “صداقة مقربة” وشهدت دعم ماسك لترامب في حملته الانتخابية بمبلغ 277 مليون دولار، والتي كافأها ترامب بتعيين ماسك على رأس “وزارة الكفاءات الحكومية”، اهتزت بشدة وتحولت إلى “حرب طاحنة”. شرارة هذا الخلاف اندلعت بعد تصويت مجلس النواب الأمريكي لصالح مشروع قانون الميزانية، الذي أقره بـ 218 صوتاً مقابل 114، ووقعه ترامب ليصبح قانوناً نافذاً. هذا القانون، الذي وصفه ماسك بأنه السبب في “زعزعة العلاقة”، دفعه للتصريح بأنه في حال تمريره، فإنه سينشئ حزبًا ثالثًا.
تحديات “الحزب الثالث” في المشهد الأمريكي
تاريخياً، واجهت محاولات تأسيس أحزاب ثالثة في الولايات المتحدة صعوبات جمة في ترسيخ نفسها ضد هيمنة الحزبين الجمهوري والديمقراطي الراسخة. لطالما كان النظام الانتخابي الأمريكي، القائم على الفائز الأول يحصل على كل شيء، عائقاً كبيراً أمام نمو أي كيان سياسي جديد.
السؤال المحوري الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كان الدعم الشعبي الذي حظي به إيلون ماسك على منصة “إكس”، مدعوماً بشخصيته الكاريزمية وتأثيره الواسع في عالم التكنولوجيا والأعمال، يمكن أن يترجم إلى قوة سياسية حقيقية قادرة على إحداث تغيير ملموس في المشهد الحزبي الأمريكي. هل يستطيع “حزب أمريكا” تجاوز العراقيل التاريخية التي واجهت الأحزاب الثالثة؟ وهل سيتمكن من تحقيق شعاره الطموح بـ “إعادة الحرية” للأمريكيين، أم أنه سيضاف إلى قائمة المحاولات الفاشلة لتغيير هذا النظام الحزبي المترسخ؟ تظل الأيام القادمة حبلى بالكثير من التطورات التي ستجيب على هذه التساؤلات، وسيراقب العالم أجمع عن كثب مسيرة هذا الحزب الوليد في الساحة السياسية الأمريكية.