لم تكن الغرفة واسعة، ولا اللحظة عابرة طبيب يقف في صمت، وفي يده كرة صغيرة من العجين لكنها ليست دقيقًا، ولا دواءً، ولا وصفة طبية. كانت خليطًا مقززًا من قشور جلد، ودم، وإفرازات، وبقايا جسد مريض يحتضر. رفع عينيه نحو زوجته. لم يبحث عن إذن بل عن شجاعة مشتركة. ثم ابتلعها. لحظة صمت ثقيل، تلتها زوجته، وشربا بعدها كوب ماء. ما حدث لم يكن جنونًا، ولا طقسًا بدائيًا، بل تجربة علمية ستغيّر تاريخ الطب إلى الأبد. نحن في ربيع عام 1916، جنوب الولايات المتحدة، حيث كان “الموت الأحمر” يحصد الأرواح بلا رحمة.
المرض الذي حوّل البشر إلى أشباح
في تلك السنوات، كان الجنوب الأمريكي ينزف مرضًا غامضًا يُدعى البلاجرا. جلد يسود ويتقشّر، تقرّحات مؤلمة، عقول تتآكل، هلوسة، ثم موت بطيء لا يرحم.
الناس أطلقوا عليه اسمًا يليق برعبه: “الموت الأحمر”. والإجماع كان قاطعًا: مرض معدٍ جرثومة قاتلة والحل هو العزل، الحجر، والخوف. إلا أن طبيبًا واحدًا قال: لا.
وسط هذا الهلع، وقف رجل نحيل، هادئ الملامح، اسمه الدكتور جوزيف غولدبيرغر، وقال جملة بدت وقتها جنونية: “هذا المرض لا يُعدي”.
لغز بلا جرثومة
كان غولدبيرغر يتنقل بين المصحات ودور الرعاية، يشاهد المرضى يسقطون واحدًا تلو الآخر. لكن شيئًا واحدًا كان يطارده كالسؤال المؤلم: لماذا لا يُصاب الأطباء والممرضون؟
لا حالة واحدة. لا عرض واحد. لغز لا يفسّره أي مرض معدٍ معروف. بدل أن يطارد الجرثومة، قرر أن يطرح سؤالًا لم يطرحه أحد قبله: ماذا يأكل هؤلاء الناس؟
الطبق الذي كشف القاتل
الإجابة لم تكن في المختبر بل في طبق الطعام، دقيق ذرة. دبس. لحوم مملحة ناشفة. لا لبن. ولا بيض. لا خضار. طعام “يسد الجوع” لكنه لا يمنح الحياة. في المقابل، كان الطاقم الطبي يتغذى على طعام طازج ومتوازن. الفرق لم يكن في المناعة، بل في الغذاء.
حين عاد المرضى من حافة الموت
غيّر غولدبيرغر النظام الغذائي للمرضى. أضاف اللبن، البيض، الخضار، والبروتين الحقيقي. والنتيجة كانت صادمة:
تحسّن المرضى. وقفوا على أقدامهم. وبعضهم شُفي تمامًا. بالنسبة له، اكتملت الصورة: “هذا ليس مرضًا جرثوميًا هذا مرض فقر”.
الحقيقة التي لم يُرِد أحد سماعها
لكن الاعتراف بذلك كان كارثة سياسية وأخلاقية. لأنه يعني ببساطة أن: النظام كان يقتل الناس، وأن الجوع قد يكون أخطر من أي وباء.
لم يُكذّبه العلم فقط بل سخروا منه. سجن جاكسون: البشر كدليل علمي لإسكات الجدل، لجأ غولدبيرغر إلى تجربة قاسية.
في سجن قرب جاكسون، عرض على المساجين صفقة صريحة: تخفيف الحكم مقابل نظام غذائي “خاص”.
“خاص” يعني نفس الأكل الفقير الذي كان يقتل الناس خارج السجن. بعد شهور: خمول. طفح جلدي، تشوش عقلي. هلوسة.
أحدهم صرخ يومها: “أنا شايف ألف جحيم!” ولا عدوى. ولا جرثومة. فقط أكل ناقص.
حين صار الطبيب فأر تجارب
رغم كل ذلك، قالوا إن العدوى “مستخبية”. فقال غولدبيرغر جملته الخالدة: “إذًا أنا سأكون الدليل”.
هو وزوجته جمعا كل ما يخافه البشر: دم، قشور جلد، بول، براز، إفرازات مرضى.
بلعوها، حقنوها. شمّوها. وانتظروا. يوم… أسبوع… شهر، لا شيء، لا مرض. ولا أعراض. لا بلاجرا.
الحقيقة العارية: عنصر صغير قتل الملايين
أخيرًا، سقط القناع. البلاجرا لم تكن عدوى. كانت نقص عنصر غذائي واحد: النياسين (فيتامين B3).
عنصر صغير لكن غيابه كان حكم إعدام. مات قبل أن يصفق له أحد نشر غولدبيرغر أبحاثه. هاجموه. اتهموه.
لأن الاعتراف بالحقيقة كان اعترافًا بالذنب. استمر حتى آخر نفس، ومات بالسرطان عام 1929، وعمره 54 عامًا. لم يرَ ثمار معركته.
العدالة المتأخرة
استمرت البلاجرا تحصد الأرواح حتى الأربعينيات، حين تم تحسين الغذاء وإثراء الدقيق بالنياسين، ملايين عاشوا. وهو لم يرَ واحدًا منهم.
لكن التاريخ أنصفه أخيرًا، وسجّل اسمه كرجل ابتلع الموت ليُثبت أن الجوع هو القاتل الحقيقي.