حين يتحول الأمان إلى اختبار صامت… النرجسية الأبوية وأثرها الخفي على الأبناء

الأب النرجسي

في بيوتٍ كثيرة. ينشأ أطفال بلا ضرب ولا سباب. لكنهم يكبرون وهم مثقلون بخوفٍ دائم، وشكٍ في الذات، وإحساس مزمن بالذنب. هنا لا يكون الأب عنيفًا بالمعنى التقليدي. بل نرجسيًا… يمارس السيطرة باسم التربية، ويُخضع المشاعر بدعوى “المصلحة”.

الأب النرجسي… حين تصبح التربية ساحة لإثبات الذات

النرجسية ليست شتيمة، ولا تشخيصًا يُلقى جزافًا على الأشخاص. بل نمط سلوك متكرر، يقوم على حب مفرط للذات، وحاجة دائمة للسيطرة. مع ضعف واضح في التعاطف مع الآخرين.

وحين يتسلل هذا النمط إلى علاقة الأب بأبنائه. تكون النتائج عميقة وطويلة الأمد، حتى في غياب الإيذاء الجسدي أو الإهانة المباشرة.
فالأب النرجسي غالبًا ما يرى أبناءه امتدادًا له. لا أفرادًا مستقلين.

يطلب الطاعة قبل الفهم، ويُكافئ الامتثال لا الحوار. وينسب النجاح لنفسه، بينما يُحمِّل الطفل وحده مسؤولية الفشل.
الانتقاد المستمر عنده “تربية”. والمقارنة “تحفيز”. وكسر الثقة “تقويم”.

مشاعر الطفل تُسفَّه باعتبارها مبالغة أو دلع، والحدود تُقابل بالغضب أو العقاب. والاعتذار غائب لأنه يرى نفسه دائمًا على صواب.

وفي كثير من الأحيان. يظهر هذا الأب أمام المجتمع بصورة مثالية. بينما يعيش الأبناء. داخل البيت واقعًا مختلفًا. حيث يصبح الحب مشروطًا بالطاعة. أو التفوق فقط. والاحترام طلبًا أحادي الاتجاه لا تبادلًا إنسانيًا.

طفل يكبر… وجراح لا تكبر معه

الطفل الذي ينشأ في هذا المناخ. غالبًا ما يحمل آثارًا نفسية ممتدة:
ثقة مهزوزة بالنفس. خوف دائم من الخطأ. صعوبة في التعبير عن المشاعر. وإحساس مزمن بالتقصير مهما بذل.

وحين يكبر، تتعقد علاقاته. فيتأرجح بين إرضاء الآخرين. على حساب ذاته. أو الانسحاب. وأحيانًا التمرد المصحوب بالذنب.
تضيع ملامح هويته. ويظل داخله طفل يشعر أنه. ما زال قيد المحاسبة.

المعضلة الأكبر أن المجتمع. كثيرًا. ما يُقدّس الأب. بغض النظر عن سلوكه. ويطالب الطفل بالصبر. والسكوت، والغفران. دون اعتراف حقيقي بأن ما حدث. كان أذى نفسيًا مشروعًا.

 هل النرجسية اختيار.. أم ميراث؟

ورغم تسليط الضوء على السلوك النرجسي. فإن السؤال الأهم يظل: كيف يصل الشخص إلى هذه النقطة؟
في حالات كثيرة. لا يرى الأب النرجسي نفسه مخطئًا. بل يعتبر أسلوبه هو “الطريق الصحيح” لأنه نشأ عليه.
يرى نفسه أكثر انضباطًا ووعيًا. ويعتقد أن عصيانه جريمة تستوجب العقاب. مبررًا ذلك بأنه الأدرى بمصلحة أبنائه.
وقد يكون في داخله تاريخ. من القسوة أو الإهمال. لم يُعالج. فتحول إلى نمط متوارث. يعاد إنتاجه دون وعي.

النرجسي ليس بالضرورة متهمًا في كل الأحوال. لكن فهم مبرراته يكشف غالبًا عن مساحات داخلية مليئة بالظلم غير المعالج. وهو ما لا يبرر الأذى. لكنه يفسر جذوره.

الوعي ليس عقوقًا. ووضع الحدود ليس قسوة. والتعافي ليس كفرانًا للجميل.

من حق كل إنسان أن يفهم ما حدث له. وأن يحمي نفسه بحدود آمنة، وأن يعالج الجرح بدل توريثه. وأن يكون أبًا أو أمًا مختلفين.
فليس كل أب يستحق لقب “أمان”…
لكن كل طفل، بلا استثناء، يستحقه.

Related posts

وزير الخارجية يلتقي رئيس الاتحاد العربي لدعم المحاربين القدامى

مصر وقيرغيزستان تطلق أول مشاورات قنصلية عبر الفيديو

مصر تبحر نحو العالمية.. كامل الوزير يفتتح النسخة الثامنة لمعرض اليخوت والقوارب 2026