تحوّلت المعادن النادرة، التي لا يتجاوز حجم سوقها الـ 6 مليارات دولار عالمياً، إلى ساحة جديدة ومحتدمة للصراع الجيوسياسي والتكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين. وفي ظل تحذيرات من غولدمان ساكس بأن اضطراباً بنسبة 10% فقط في إمدادات هذه المواد قد يكبد الاقتصاد العالمي خسائر تصل إلى 150 مليار دولار، تتسارع الخطوات الأمريكية لفك الارتباط الاستراتيجي بالصين، فيما ترد بكين بتشديد قيود التصدير.
أهمية استراتيجية تتجاوز القيمة المالية
تعد المعادن النادرة، مثل الساماريوم والغرافيت والتيربيوم، شريان الحياة للصناعات الحديثة؛ من السيارات الكهربائية وأنظمة التوجيه الدقيقة، إلى الرقائق الدقيقة والطائرات المقاتلة. ورغم صغر حجم السوق، فإن أهميتها الاستراتيجية الهائلة تجعلها سلاحاً اقتصادياً قادراً على شل قطاعات صناعية كاملة في حال نقصها.
وتشير التقديرات إلى أن هذا التنافس المتصاعد بين القوتين العظميين يهدف إلى إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية للموارد الحيوية، ودفع الدول لتأمين احتياطاتها وتطوير قدراتها المحلية في المعالجة.
استراتيجية أميركية لتقليل الاعتماد على الصين
بالرغم من مؤشرات التقارب والمحادثات التجارية المحتملة بين واشنطن وبكين، تمضي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قدماً في تنفيذ استراتيجية طويلة الأمد لتقليل الاعتماد على الصين في سلاسل توريد المواد الحيوية.
تتضمن الخطة الأمريكية خطوات عملية تشمل تنويع سلاسل التوريد عبر دعم المنتجين المحليين وفرض سياسات تسعير وضوابط جديدة. شراكات استراتيجية مع دول آسيوية رئيسية مثل اليابان وماليزيا وتايلاند وفيتنام وكمبوديا.
وجاء التوقيع على اتفاقية التعاون بين الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في أكتوبر 2025 ليؤكد هذه التوجه، بقيمة مشاريع مشتركة تصل إلى 8.5 مليار دولار، في خطوة تعد مواجهة عملية للنفوذ الصيني في هذا القطاع.
أستراليا.. البديل الاستراتيجي ومصفاة الغاليوم الجديدة
في حين تظهر أستراليا كحليف رئيسي لواشنطن بفضل احتياطياتها الضخمة من المعادن النادرة التي يمكن أن تجعلها بديلاً مهماً للصين في تزويد الغرب. بينما كشف ألبانيزي أن الاتفاق الجديد يتضمن استثمارات أميركية ضخمة بقيمة 3 مليارات دولار. لتطوير مشاريع التعدين والمعالجة، بالتعاون مع شركات كبرى مثل «ألكوا» الأميركية للألومنيوم. إنشاء مصفاة غاليوم في غرب أستراليا بطاقة إنتاجية تبلغ 100 طن سنوياً. بهدف تقليل الاعتماد على الواردات الصينية وتعزيز سلاسل الإمداد الغربية.
الصين ترد بتشديد قيود التصدير
لم تتأخر بكين في الرد على التحركات الغربية. فبينما أكدت وزارة الخارجية الصينية ضرورة ضمان استقرار سلاسل الإمداد العالمية. وعدم استخدام المعادن النادرة في الصراعات الجيوسياسية، أعلنت وزارة التجارة لاحقاً عن توسيع قيود تصدير المعادن النادرة.
تهدف الإجراءات الصينية الجديدة إلى منع استخدام هذه المعادن في التطبيقات العسكرية الأجنبية. كما شملت إضافة عشرات التقنيات المتقدمة إلى قائمة الرقابة. وإلزام الشركات الأجنبية بالتقيد الصارم بالقواعد الصينية عند شراء أو معالجة هذه المعادن.
صراع تكنولوجي على النفوذ
يتجاوز الصراع على المعادن النادرة البعد الاقتصادي ليصبح صراعاً على النفوذ التكنولوجي والاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين. وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن لكسر هيمنة بكين على الإمدادات، ترد الصين بإحكام قبضتها على مواردها وتقنياتها المتقدمة. لتظل المعادن النادرة “السلاح الاقتصادي” الذي يحدد ميزان القوى العالمي.