لم تعد المعارك تحسم فقط بالصواريخ والدبابات، بل باتت تدار في الخفاء من داخل غرف الخوادم. وتخاض عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي. ففي زمن أصبحت فيه الأنظمة الذكية جزءاً محورياً في عمليات الجيوش. يتحول أمن هذه التقنيات إلى قضية وجودية. ومصدر تهديد محتمل قد يقلب موازين القوى.
الذكاء الاصطناعي في الجيوش.. سلاح ذو حدين
يؤكد الدكتور محمد محسن رمضان، المحاضر في الأمن السيبراني بالأكاديمية العسكرية المصرية. في حديث لـ”العربية.نت/الحدث.نت”، أن الأنظمة العسكرية الحديثة تعتمد اليوم على الذكاء الاصطناعي في مجالات حيوية. تشمل تحليل البيانات الاستخباراتية، وتوجيه الطائرات بدون طيار. وتشغيل أنظمة الدفاع الصاروخي، وإدارة الروبوتات القتالية. بل وحتى اتخاذ قرارات حربية دون تدخل بشري مباشر.
ويضيف أن هذا التحول الرقمي في الميدان العسكري منح الجيوش الكبرى تفوقاً في الدقة والسرعة. لكنه في الوقت ذاته فتح ثغرة أمنية خطيرة. تتمثل في احتمالية وقوع هذه الأنظمة بيد العدو أو تعرضها للاختراق.
الذكاء الاصطناعي
اختراق الأنظمة.. خطر يفوق التوقعات
ويحذر الدكتور رمضان من أن الذكاء الاصطناعي العسكري “ليس محصناً بالكامل”. إذ تعتمد هذه الأنظمة على خوارزميات وشبكات اتصال ومراكز بيانات. كلها معرضة لهجمات سيبرانية، سواء من قبل قراصنة محترفين أو أجهزة استخبارات معادية.
ويضيف: “في حال نجاح أي هجوم، قد يتم السيطرة على الطائرات المسيرة وتوجيهها نحو أهداف مدنية. أو تعطيل أنظمة الدفاع، أو التلاعب في قرارات الروبوتات القتالية لتهاجم قواتها عن طريق الخطأ. إضافة إلى تسريب بيانات استخباراتية بالغة الحساسية”.
حوادث واقعية تثير القلق
ويرى المتحدث أن ما كان يعتقد سابقًا مجرد سيناريو خيالي، أصبح واقعًا ملموسًا، مستشهدًا بإسقاط إيران لطائرة أميركية بدون طيار من طراز RQ-170 عبر هجوم إلكتروني عام 2011. إضافة إلى اختراقات سيبرانية استهدفت أنظمة عسكرية في الشرق الأوسط. وحوادث فشل أنظمة دفاع أميركية خلال محاكاة قتالية عام 2020 بسبب تدخل إلكتروني.
الذكاء الاصطناعي
كيف تتم الهجمات السيبرانية العسكرية؟
ويكشف الخبير أن الهجمات تعتمد على أساليب معقدة، منها اختراق الشبكات غير المؤمنة بالكامل، زرع برمجيات خبيثة في معدات عسكرية، الهندسة الاجتماعية لاستدراج عناصر بشرية داخل المؤسسة العسكرية، إضافة إلى استغلال سلاسل التوريد لاختراق المعدات قبل تسليمها للجيش.
الحلول تبدأ من “التحصين السيبراني”
من جانبه، يؤكد اللواء أبوبكر عبدالكريم، مساعد أول وزير الداخلية المصري الأسبق، في حديث لـ”العربية.نت/الحدث.نت”، أن مواجهة هذا التهديد تتطلب أمنًا سيبرانيًا بمستوى الذكاء الاصطناعي نفسه، وذلك من خلال شبكات مغلقة غير متصلة بالإنترنت، وتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي ذاتية الحماية، وتدريب الكوادر العسكرية على مواجهة الهجمات السيبرانية وأساليب الهندسة الاجتماعية.
كما شدد على أهمية إنشاء مراكز عمليات أمنية (SOC) متخصصة في المجال العسكري، وتفعيل التعاون الدولي لتحديد أطر أخلاقية وتقنية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب.
معركة الخوارزميات
واختتم اللواء عبدالكريم حديثه قائلاً: “أمن الذكاء الاصطناعي العسكري ليس ترفًا تقنيًا، بل ضرورة وطنية للدفاع عن السيادة والأرض والإنسان”، مؤكدًا أن من يملك السيطرة على الخوارزميات في هذا العصر، يمتلك مفاتيح النصر أو الهزيمة.
في النهاية، يبدو أن “الهاكرز” لم يعد فقط خصمًا رقميًا، بل بات جنديًا حقيقيًا في ساحات المعارك الجديدة، حيث تخاض الحروب من وراء الشاشات، وتحسم بالرمز البرمجي قبل الرصاصة.