كشفت التصعيدات الأخيرة بين إسرائيل وإيران أن في عالم الحروب الحديثة، لا تكفي الصواريخ ولا تكتيكات الميدان وحدها لحسم المواجهة، بل تتحكم الأرقام في مصير الجيوش قبل أن تنطلق أول رصاصة.
حيث دخل الطرفان ساحة مواجهة قد تكون غير متكافئة بكل المقاييس الرقمية. فمن جهة تضخ تل أبيب مليارات الدولارات في جيشها بدعم أميركي، ومن جهة أخرى تحاول طهران الصمود تحت عبئ العقوبات وتراجع الإنفاق العسكري.
النتيجة ميزان قوى يميل بشدة ويطرح سؤال جوهري: من يخوض هذه الحرب فعليًا؟ الجيوش أم الاقتصاد؟
وفيما ارتفع الإنفاق العسكري العالمي إلى 2718 مليار دولار في عام 2024، بزيادة سنوية قدرها 9.4 %، والتي مثلت الزيادة الأكبر منذ عام 1988 على الأقل، جاءت إسرائيل ضمن قائمة أكبر 15 دولة من حيث الإنفاق العسكري العالمي وإيران في المركز 34، حسب معهد ستوكهولم الدولي لدراسات السلام، وعليه، يصبح الفارق كبير جداً.
الفوارق بين إسرائيل وإيران في الإنفاق العسكري
إسرائيل تحتل الصدارة في نسبة زيادة الإنفاق العسكري السنوي
وتقدم إسرائيل في القائمة لم يكن فقط في حجم الإنفاق، ولكن احتلت تل أبيب الصدارة في نسبة زيادة الإنفاق العسكري السنوي بين كل دول العالم، إذ أنفقت نحو 46.5 مليار دولار خلال 2024 بزيادة قدرها 65 % على عام 2023، وهي أكبر زيادة سنوية في الإنفاق الإسرائيلي منذ حرب 1967.
لم تكن إسرائيل تنفق على نفسها وحدها، إنما أنفقت واشنطن أيضًا على تل أبيب 10.6 مليار دولار خلال العام الماضي، من إجمالي إنفاقها البالغ 997 مليار دولار الذي جعلها تتصدر قائمة الأكثر إنفاق عسكريًا في 2024.
ارتفع الإنفاق العسكري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 5.4 % في عام 2023 إلى 8.8 % في عام 2024، ما يجعل إسرائيل ثاني أعلى عبئ عسكري في العالم بعد أوكرانيا.
وأدى تصعيد الصراع مع حزب الله في أكتوبر 2024، إضافة إلى الحرب المستمرة في غزة، إلى زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري من 37.1 مليار دولار في الميزانية الأولية لعام 2024 إلى ما مجموعه 45.6 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2024، بناء على الأرقام الواردة في الميزانيات الشهرية لإسرائيل، بل إن إسرائيل أنفقت 5.7 مليار دولار على الجيش في ديسمبر 2024.
الإنفاق العسكري الإيراني
أما إيران التي لم تهدأ في مناكفة إسرائيل منذ أن بدأت الأخيرة حربها على غزة، فتراجع إنفاقها العسكري بنحو 10 % في 2024 إلى 7.9 مليار دولار. متراجعة عن ترتيبها العالمي في عام 2023 الذي كان يضعها الدولة الثالثة والثلاثين عالميًا من حيث الإنفاق العسكري العالمي.
ويرجع الانخفاض السنوي بشكل رئيسي إلى آثار التضخم المرتفع باستمرار على الإنفاق الإيراني، والذي ينبع جزئيًا من العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران. والتي كان لها تأثير على صادرات النفط، المصدر الرئيسي لإيرادات التصدير الإيرانية.
وتهدف العقوبات التي تم توسيعها في عام 2024، إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني وتعطيل الدعم الإيراني للجماعات المسلحة الإقليمية، بما في ذلك حماس في غزة وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن.
مقارنة بين جيشي إسرائيل وإيران
إيران تفتخر بقوتها العسكرية الكبيرة، لكنها تعتمد أيضاً على وكلاهما وعملياتها السرية التي أعيقت بشدة في الأشهر الأخيرة بسبب الإجراءات الأميركية والإسرائيلية.
في الوقت نفسه، تعتمد إسرائيل على الحيلة والقوات البرية والجوية النظامية القوية التي يبدو أنها لا مثيل لها في المنطقة، ورغم تساويهما تقريبًا في عدد القوات. فإن الجيشين يستخدمان تكتيكات وقوة نيران مختلفة بشكل لافت، حسب إيه بي نيوز.
إسرائيل وإيران
القوات الإيرانية بين القوات المسلحة النظامية
تنقسم القوات الإيرانية بين القوات المسلحة النظامية، المكلفة عمومًا بحراسة حدود إيران وتنفيذ مهام عسكرية تقليدية، والحرس الثوري شبه العسكري، بما في ذلك فيلق القدس النخبوي، وقيادة الصواريخ الاستراتيجية، والقوة السيبرانية.
يعتقد أن قوات إيران قد تدهورت بشدة بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية والأميركية خلال العام الماضي. وتتشكل قواتها من 600 ألف جندي، بينما يضم الحرس الثوري نحو 200 ألف فرد موزعين على فرق مختلفة.
المعدات العسكرية الإيرانية
تتمثل المعدات العسكرية الإيرانية في مزيج من أنواع مختلفة، بعضها قدمه الاتحاد السوفيتي والبعض الآخر قدمته الولايات المتحدة قبل الثورة الإسلامية عام 1979، إلى جانب الإضافات الروسية الأحدث. مع ما يقدر بنحو 350 طائرة قديمة في سلاحها الجوي، فإنها تتخلف كثيرًا عن إسرائيل من حيث الكمية والنوعية.
مع ذلك، تمتلك إيران القدرة على إنتاج مجموعة واسعة من الطائرات المسيرة والمعدات المماثلة.
يشكل أمن كبار قادتها مشكلة متكررة بالنسبة لإيران، حيث كان قائد الحرس الثوري، حسين سلامي، ورئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية، محمد باقري، من بين القتلى في غارات يوم أمس في طهران، كما قتل علماء نوويون بارزون، وقتل قادة كبار آخرون في غارات حديثة في أنحاء المنطقة.
فجوة تقنية ضخمة بين إسرائيل وإيران
من ناحية أخرى، تستمد إسرائيل قوتها البرية والبحرية والجوية الهائلة من أحدث التقنيات الأميركية والأوروبية، إضافة إلى صناعة دفاعية محلية متينة قادرة على تصميم وبناء وصيانة مجموعة كاملة من الأسلحة، ما يسمح لها بمواجهة خصومها على جبهات متعددة في وقت واحد.
وعلى الرغم من صغر حجمها، تمتلك إسرائيل أيضاً إمداد كبير من القوات، حيث يبلغ عدد قواتها العاملة نحو 170 ألف جندي، إضافة إلى 400 ألف جندي احتياطي، ورغم أن عدد قواتها أقل من إيران، فإن الصراعات الإقليمية قد أكسبت جنودها خبرة قتالية عالية.
إسرائيل لديها دفاعات صاروخية متعددة المستويات، وطور النظام على مدى عقود بدعم أميركي كبير، قادر على اكتشاف النيران القادمة أو الصواريخ المنطلقة من إيران، ويستطيع النظام منع المقذوفة في حالة كانت متجهة نحو مركز سكاني أو بنية تحتية عسكرية أو مدنية حساسة.في عالم الحروب الحديثة، لا تكفي الصواريخ ولا تكتيكات الميدان وحدها لحسم المواجهة، بل تتحكم الأرقام في مصير الجيوش قبل أن تنطلق أول رصاصة، هذا تمامًا ما يكشفه التصعيد العسكري الأخير بين إسرائيل وإيران.