لم نعد نبحث طويلًا عن إجابة، ولا نتحرك لمقابلة شخص جديد، ولا حتى ننهض لضبط حرارة الغرفة. ضغطة زر واحدة صارت كفيلة بكل شيء. لكن هذه الراحة المطلقة، كما يحذّر خبراء علم النفس، لم تمرّ بلا ثمن. الثمن؟ عقلٌ بدأ ينفر من أي مجهود… ويكره الصعب، حتى لو كان مفيدًا له.
الراحة الزائدة… عدو غير مرئي
تقول الطبيبة النفسية آنا ليمبكي، أستاذة الطب النفسي بجامعة ستانفورد، إن التكنولوجيا الحديثة أعادت تشكيل علاقتنا بالجهد.
فالأنشطة التي كانت يومًا طبيعية – مثل التمرين، أو تعلّم مهارة جديدة – أصبحت تُستقبل اليوم باعتبارها عبئًا ثقيلًا، لا تجربة ممتعة.
وخلال ظهورها في بودكاست Diary Of A CEO، أوضحت ليمبكي أن الدماغ تعوّد على المكافآت السريعة، ما جعله أقل صبرًا على أي نشاط يتطلب وقتًا أو مجهودًا.
خطة قبل التنفيذ… لا وقت للتردد
أولى القواعد الذهبية التي تطرحها ليمبكي: لا تترك القرار للحظة التنفيذ.
وتشرح قائلة: «عندما ننتظر حتى اللحظة. الأخيرة لنقرر هل سنفعل الشيء الصعب أم لا، غالبًا نختار الهروب منه».
الحل؟ التخطيط المسبق.
أن تحدد من اليوم السابق: متى ستستيقظ، ماذا سترتدي، وأين ستذهب.
هذا الإعداد المسبق – كما تقول – يعمل كـ«فرامل» أمام الرغبات السريعة، ويدفعك نحو أهدافك طويلة المدى.
شريك المساءلة… القوة في الجماعة
العقل البشري لا يحب السير وحده.
وتؤكد ليمبكي أن وجود شريك أو مجموعة تشاركك الهدف يضاعف فرص الالتزام.
وتدعم ذلك دراسة أجريت عام 2015 في University College London، كشفت أن التغيير الإيجابي لدى أحد الزوجين غالبًا ما ينتقل للطرف الآخر.
التمرين مع صديق، أو الدراسة ضمن مجموعة، لا يجعل المهمة أسهل فقط… بل أكثر احتمالًا للاستمرار.
خبراء يؤكدون: النجاح جماعي
يتفق مع هذا الطرح عالم النفس المالي تشارلز تشافين، أستاذ جامعة ولاية آويا، الذي يرى أن خوض التحديات مع الآخرين يصنع فارقًا حقيقيًا.
ويضرب مثالًا بشهر الامتناع عن الكحول، قائلًا:
«عندما تقرر التغيير مع نفس الأشخاص الذين اعتدت مشاركة العادة معهم، تزيد فرص النجاح؛ لأنكم تراقبون وتدعمون بعضكم البعض».
ميزان الألم والمتعة
تستخدم ليمبكي تشبيهًا بسيطًا لكنه عميق:
هناك ميزان داخل كل واحد منا…
كفة للألم، وأخرى للمتعة.
الاستيقاظ مبكرًا، الدراسة لساعات، أو مقاومة الهاتف… كلها تضيف وزنًا لكفة الألم.
لكن الاستسلام للراحة السريعة يمنح متعة قصيرة العمر فقط.
أما الاستمرار في التحدي، فرغم انزعاجه الأولي، يمنح دفعة أطول أمدًا من الدوبامين… متعة أعمق وأكثر استقرارًا.
التعثر ليس هزيمة
تؤكد ليمبكي أن السقوط في منتصف الطريق لا يعني الفشل.
فكثيرون يضعون أهدافًا قاسية في بداية العام، ثم يجلدون أنفسهم عند أول تعثر.
لم تتوقف تمامًا عن السكر؟
لكنك أكلت صحيًا أكثر وشربت ماءً أكثر؟
هذا تقدّم… حتى لو لم يكن مثاليًا.
وتختتم بقاعدة إنسانية بسيطة:
التعاطف مع الذات، واتباع مبدأ الاعتدال، قد يكونان الطريق الأذكى للنجاح.
العقل لا يكره الصعب بطبيعته…
هو فقط اعتاد الطريق الأسهل.
ومع قليل من التخطيط، وشريك داعم، ووعي بميزان الألم والمتعة، يمكن إعادة تدريب الدماغ لا على إنجاز الأمور الصعبة فقط…
بل على حبها أيضًا.