كشفت محكمة القضاء الإداري، في حيثيات حكمها الصادر برفض دعاوى بطلان وسحب ترخيص عرض فيلم «الملحد»، عن رؤية قانونية ودستورية حاسمة، أكدت من خلالها أن العمل الفني لا يتضمن أي تحريض على الإلحاد، ولا يحمل إساءة للأديان السماوية، كما لا ينطوي على مساس بالقيم الدينية أو الآداب العامة، لتنتهي المحكمة إلى تثبيت الترخيص القانوني للفيلم ورفض جميع الدعاوى المقامة ضده.
القضاء الإداري: الدعاوى بلا دليل وتعتمد على أقوال مرسلة
وأوضحت المحكمة في حيثياتها أن الدعاوى التي طالبت بمنع فيلم الملحد أو سحب ترخيصه افتقرت إلى أي دليل قانوني أو فني جاد، مشيرة إلى أن ما ورد بأوراق القضايا لم يتجاوز كونه أقوالًا مرسلة ومخاوف افتراضية، دون تقديم مستندات أو تقارير فنية تثبت أن الفيلم يشكل خطرًا على المجتمع أو يهدد ثوابته الدينية.
وأكدت المحكمة أن مجرد الاعتراض الذوقي أو الاختلاف الفكري مع مضمون عمل فني لا يُعد سببًا قانونيًا كافيًا للتدخل القضائي أو المطالبة بسحب ترخيصه.
الرقابة على المصنفات الجهة الوحيدة المختصة
وشددت الحيثيات على أن الاختصاص الأصيل في الرقابة على المصنفات الفنية، سواء بالمنح أو السحب، ينعقد حصريًا للجهة الإدارية المختصة ممثلة في الرقابة على المصنفات الفنية، وليس للنيابة العامة أو للأفراد، ولا يجوز للقضاء التدخل إلا إذا توافرت أسباب قانونية صريحة ومحددة، وهو ما لم يتحقق في حالة فيلم «الملحد».
وأضافت المحكمة أن القوانين المنظمة للرقابة الفنية لا تجيز المنع أو السحب إلا في حالات محددة، تتمثل في تعارض العمل بشكل واضح وصريح مع النظام العام أو الآداب العامة أو القيم الدينية، وهو ما لم يثبُت على الإطلاق في محتوى الفيلم.
تقرير الرقابة: الفيلم لا يُمجد الإلحاد
واستند الحكم إلى تقرير الرقابة على المصنفات الفنية، الذي أكد أن فيلم «الملحد» يعرض قصة شاب يمر بأزمة فكرية ناتجة عن التشدد والغلو، قبل أن يعود إلى الإيمان والدين، دون أي تمجيد لفكرة الإلحاد أو دعوة إليها.
وأوضحت المحكمة أن العمل الفني لا يقدم الإلحاد كقيمة إيجابية، ولا يسخر من الأديان، بل يناقش الظاهرة في سياق درامي إنساني يهدف إلى إظهار آثار التطرف الفكري، وهو ما يندرج تحت حرية التعبير والمعالجة الفنية المشروعة.
مبادئ الدستورية العليا تحسم الجدل
وأكدت المحكمة أن حكمها جاء متسقًا مع مبادئ المحكمة الدستورية العليا، التي أرست قواعد واضحة مفادها أن السينما من أبرز وسائل التعبير عن الرأي، وأن العمل الإبداعي لا يُقاس عبر اقتطاع مشاهد أو عناوين منفصلة عن سياقها الدرامي الكامل.
وشددت الحيثيات على أن حرية الإبداع مكفولة دستوريًا، ولا يجوز تقييدها أو النيل منها إلا في أضيق الحدود، وبضوابط صارمة توازن بين حماية القيم المجتمعية وضمان حرية الفكر والتعبير.
عنوان الفيلم ليس جريمة
وردّت المحكمة بشكل صريح على الجدل المثار حول عنوان الفيلم، مؤكدة أن مجرد تناول ظاهرة الإلحاد في عمل فني لا يُعد جريمة، ولا يمثل اعتداءً على الدين، بل قد يسهم في مناقشة أسباب الظاهرة ومحاولة معالجتها مجتمعيًا وفكريًا.
وأضافت الحيثيات أن ربط الإلحاد بالتشدد والغلو لا يمثل إساءة للدين ذاته، لأن الدين — وفق ما جاء بالحكم — «من الغلو والتشدد براء»، معتبرة أن معالجة هذه القضايا في إطار فني قد تكون أداة وعي لا وسيلة هدم.
القضاء: تقييم الفن مسألة ذوقية
وأكدت المحكمة أن تقييم الأعمال الفنية يظل مسألة ذوقية وشخصية تختلف من فرد إلى آخر، ولا يجوز أن تكون سببًا قانونيًا لسحب ترخيص عمل فني أو منعه من العرض، طالما التزم بالقانون ولم يتجاوز الضوابط الرقابية المعتمدة.
واختتمت المحكمة حيثيات حكمها بالتأكيد على رفض الدعاوى المقامة شكلًا وموضوعًا، مع إلزام رافعيها بالمصروفات، في حكم اعتبره مراقبون انتصارًا صريحًا لحرية الإبداع وترسيخًا لمبادئ الدستور في حماية الفن والفكر.