في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية تقلبات اقتصادية وضغوطًا تجارية، تواصل المملكة العربية السعودية تسجيل نمو لافت في صادراتها غير البترولية، ما يمثل إشارة واضحة على نجاح جهودها المتواصلة لتنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط كمصدر دخل رئيسي، وفقًا لما تكشفه أحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء.
قفزة في الصادرات غير النفطية رغم التراجع الإجمالي
أظهرت النشرة الأخيرة للهيئة العامة للإحصاء أن الصادرات غير البترولية، بالإضافة إلى إعادة التصدير، قد حققت ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 13.4% خلال الربع الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2024. كما سجلت نموًا بنسبة 10.7% في مارس 2025 على أساس سنوي.
يأتي هذا النمو في الصادرات غير البترولية رغم التراجع العام في إجمالي الصادرات السلعية للمملكة بنسبة 3.2% في الربع الأول، و9.8% في مارس. يعود هذا الانخفاض بشكل رئيسي إلى تراجع الصادرات البترولية، التي لا تزال تشكل النسبة الأكبر من إجمالي الصادرات. فقد تراجعت مساهمة الصادرات البترولية إلى 71.8% من إجمالي الصادرات في الربع الأول من 2025، مقارنة بـ 75.9% في الفترة ذاتها من العام السابق. ووصلت النسبة في مارس 2025 إلى 71.2% مقابل 76.5% في مارس 2024.
تحسن ملحوظ في الميزان التجاري للسلع غير البترولية
على الرغم من التراجع في إجمالي الصادرات، إلا أن الصادرات غير البترولية تعزز من موقعها في التجارة الخارجية للمملكة. سجلت نسبة الصادرات غير البترولية إلى الواردات تحسنًا ملحوظًا، حيث بلغت 32.2% في الربع الأول من 2025 مقارنة بـ 34.3% في الربع الأول من 2024. وقد وصلت هذه النسبة إلى 36.5% في مارس 2025 مقابل 33% في مارس 2024، ما يعكس قدرة القطاعات غير النفطية على المساهمة بفعالية أكبر في تغطية الواردات.
في المقابل، سجلت الواردات ارتفاعًا طفيفًا بلغ 0.1% في مارس، مدعومة بنمو الطلب على المعدات الكهربائية، ما يشير إلى استمرار المشاريع الصناعية والبنية التحتية. ومع ذلك، وبسبب هذا الارتفاع الطفيف في الواردات وتراجع الصادرات البترولية، تراجع الفائض في الميزان التجاري بنسبة 28% في الربع الأول و34.2% في مارس، ما يعكس تأثيرًا مزدوجًا لارتفاع الطلب على الواردات وتراجع عوائد التصدير البترولي.
الكيماويات تتصدر الصادرات غير النفطية والآلات الكهربائية تهيمن على الواردات
تواصل منتجات الصناعات الكيماوية تصدر قائمة السلع المصدرة غير البترولية، حيث شكلت 23.8% من إجمالي الصادرات غير البترولية في الربع الأول وارتفعت إلى 25.7% في مارس. هذا يعكس قوة هذا القطاع وموقعه المتقدم في استراتيجية التنويع الصناعي للمملكة.
على صعيد الواردات، احتلت الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية وأجزاؤها المرتبة الأولى بنسبة 25.8% في الربع الأول و26.1% في مارس، ما يؤكد استمرار وتيرة المشاريع الصناعية ومشاريع البنية التحتية الضخمة في المملكة.
الصين الشريك التجاري الأكبر للمملكة
حافظت الصين على موقعها كأكبر شريك تجاري للمملكة، حيث استحوذت على 15.7% من إجمالي الصادرات و26.6% من الواردات خلال الربع الأول من 2025. وقد بلغت النسب مستويات قريبة في مارس، حيث سجلت 15.5% للصادرات و25.3% للواردات، ما يعكس عمق العلاقات التجارية بين الرياض وبكين.
تعتمد هذه البيانات على سجلات هيئة الزكاة والضريبة والجمارك للصادرات غير البترولية، وبيانات وزارة الطاقة للصادرات البترولية. ويتم تصنيف السلع وفق النظام المنسق لتوصيف السلع الأساسية وترميزها لعام 2022، مما يضمن دقة المقارنات الدولية واستمرارية الرصد.
تواصل الحكومة السعودية، ضمن رؤية 2030، تركيزها على تعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي والتجارة الخارجية. ويشمل ذلك دعمًا واضحًا للصناعات التحويلية، الصادرات غير التقليدية، وإعادة تصدير السلع. ورغم التحديات، تشير الأرقام الحالية إلى نجاح نسبي في هذا المسار، وإن كان يتطلب تحقيق توازن أفضل في الميزان التجاري وتنويعًا أعمق في الشركات والمنتجات لضمان استدامة النمو الاقتصادي.