أصدرت المحكمة الدستورية العليا بجلسة 16/2/2026 حكمًا قضائيًا بارزًا يقضي بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية المتعلق باستبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، وهو القانون رقم 182 لسنة 1960. هذا الحكم لم يكن مجرد فصل في نزاع قانوني عابر، بل أعاد فتح ملف شائك يوازن بين الضرورات الإجرائية التي تحمي هيكل الدولة وبين الغايات العقابية التي تهدف إلى صون أمن المجتمع من الأخطار المستحدثة.
إقرأ أيضًا: قانونياً.. عقوبات صارمة ضد الممتنعين عن تسليم الميراث
جذور الحكم وعيب الاختصاص الجسيم
تأسس حكم المحكمة الدستورية على ركيزة جوهرية تمثلت في إعلاء مبدأ الفصل بين السلطات واحترام نطاق الاختصاصات القانونية. فقد كشفت حيثيات الحكم أن القرار المطعون فيه صدر من جهة غير مختصة قانونًا بإصداره، حيث انفرد رئيس هيئة الدواء المصرية بتعديل جداول المخدرات بالمخالفة لنطاق الاختصاص المحدد له بموجب القانون رقم 124 لسنة 1955 بشأن مزاولة مهنة الصيدلة. ووفقًا للمبادئ الدستورية المستقرة، فإن أي خروج على قواعد الاختصاص يعد إخلالًا بالشرعية الإجرائية ومساسًا بالبناء القانوني للدولة، نظراً لأن الدستور يمثل القاعدة الأعلى التي لا يجوز لأي قرار إداري أو تنظيمي تجاوز سقفها أو القفز على إجراءاتها المقررة.
جوهر الإشكالية بين نبل الغاية وخطأ الوسيلة
إن القراءة المتأنية لمضمون القرار الذي قضي بعدم دستوريته توضح أنه لم يكن يستهدف إحداث تجريم عشوائي أو خارج عن الفلسفة التشريعية للدولة، بل كان استجابة ضرورية لتطور الجريمة المنظمة. فقد استهدف القرار إدراج مواد مخدرة مخلّقة كيميائيًا أثبتت التقارير الطبية والميدانية أنها تسبب اضطرابات نفسية مدمرة وتغيب الوعي بشكل كامل، مما جعلها خطرًا داهمًا يهدد قطاعًا واسعًا من الشباب في وقت تخوض فيه الدولة مواجهة شاملة ضد سموم المخدرات. ومن هنا تبرز المعضلة، فموطن الخلل لم يكن في جوهر الفعل المؤثم أو في نبل الغاية من القرار، وإنما تمثل في “عوار إجرائي” سببه صدور القرار عن رئيس هيئة الدواء بدلًا من صدوره عن الوزير المختص بالصحة وفق ما يقتضيه القانون.
إقرأ أيضًا: معاشات المرأة غير العاملة في 2026.. كيف تحصلين على دخل ثابت وحياة كريمة؟
التداعيات القانونية ومعضلة العدالة الناجزة
تتجلى الخطورة في هذا الحكم عند النظر إلى آثاره العملية على أرض الواقع، حيث يثور تساؤل جوهري حول إمكانية أن يؤدي خلل إجرائي متعلق بجهة الإصدار إلى إفلات عدد كبير من الجناة من المساءلة القانونية. إن تغليب الاعتبار الشكلي والدستوري يفرض تحديًا حقيقيًا أمام جهات إنفاذ القانون، إذ يصعب منطقيًا قبول فكرة الإفراج عن محكوم عليهم ثبتت خطورة أفعالهم على المجتمع لمجرد وقوع خطأ في توقيع القرار الإداري. إن هذا الوضع يفرض ضرورة التأمل في كيفية حماية الردع العام من الانهيار، لكي لا تتحول الضمانات الإجرائية بغير قصد إلى وسيلة تضعف الحماية الجنائية التي يترقبها المجتمع.
الحل التشريعي المنشود وتصحيح المسار
إن مقتضيات السياسة التشريعية السليمة تستوجب في المرحلة الراهنة تدخلًا عاجلًا وحاسمًا لتصحيح المسار القانوني بما يضمن استعادة الانضباط الدستوري وصون هيبة القضاء. ويتطلب ذلك سرعة إصدار القرارات المنظمة لجداول المخدرات من الجهة التي حددها القانون بدقة، مع مراعاة احترام حجية الأحكام القضائية واستقرار المراكز القانونية. إن الهدف من هذا التحرك هو سد الثغرات التي قد ينفذ منها الخارجون عن القانون، وضمان أن تتم الملاحقة الجنائية في إطار قانوني سليم لا تشوبه شائبة، بما يحقق التوازن المنشود بين حقوق المتهم في محاكمة قانونية عادلة وحق المجتمع في الحماية من المواد المخدرة الفتاكة.
كلمة ختامية في سيادة القانون
في الختام، يظل الانحياز للدستور والتمسك بسيادة القانون هما حجر الأساس في بناء الدولة الحديثة، حيث تظل الشرعية الإجرائية وسيلة سامية لتحقيق العدالة وليست مجرد عائق في طريقها. إن الغاية العليا للقانون لا تقف عند حدود صحة الإجراءات الورقية، بل تمتد لتشمل حماية الإنسان وصون المجتمع من كل ما يهدد كيانه. إن هذا الحكم التاريخي يمثل تذكيرًا دائمًا بأن العدالة الحقيقية هي التي تزاوج بين سلامة الإجراء وقوة الأثر، لتبقى الأداة التشريعية دائمًا في خدمة الأمن القومي والعدالة الاجتماعية في أسمى معانيها.