لم تمضِ أيام على انفجار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران حتى وصلت ارتداداتها سريعًا إلى الخرطوم. فكل توتر بين واشنطن وطهران يترجم في السودان إلى أزمة معيشية خانقة، حيث يقف اقتصاد هش أصلًا على حافة الانهيار، وأي اضطراب في شريان الطاقة العالمي يتحول فورًا إلى طوابير وقود وارتفاعات صادمة في الأسعار.
من مضيق هرمز إلى الأسواق السودانية
تمثل الملاحة عبر مضيق هرمز عصب الطاقة العالمي، وأي تهديد لحركته يعني قفزات فورية في أسعار النفط، وارتفاع كلفة الشحن والتأمين. هذا السيناريو بدأ ينعكس مباشرة داخل السودان، الذي يعتمد على الاستيراد في تلبية جزء كبير من احتياجاته النفطية، خاصة بعد توقف مصفاة الخرطوم.
أزمة وقود تضرب ولاية الجزيرة
في ولاية الجزيرة، وسط البلاد، بدت الأزمة واضحة. صاحب محطة وقود أكد أن “الأزمة بدأت فعليًا”. موضحًا أن عدة محطات توقفت تمامًا بسبب انعدام الوارد، فيما تعمل محطة واحدة فقط من أصل محطتين في المنطقة بعد توقف الإمدادات منذ أيام.
وأشار إلى أن أي تأخر في وصول البواخر أو نقص في المخزون الاستراتيجي ينعكس فورًا على الكميات المخصصة للولاية. مع احتمالية عودة الطوابير وانتعاش السوق الموازي.
واستعاد ما حدث قبيل رمضان. حين ارتفع سعر أسطوانة الغاز من 62 ألف جنيه إلى 76 ألفًا بسبب شح المعروض، في مؤشر على هشاشة السوق أمام أي صدمة خارجية.
توقف مصفاة الخرطوم يضاعف الضغوط
ومع خروج مصفاة الخرطوم عن الخدمة – والتي كانت تغطي نحو 32% من الاحتياجات المحلية – بات السودان بحاجة إلى نحو 200 مليون دولار شهريًا لاستيراد المشتقات النفطية. ما يفاقم الضغط على النقد الأجنبي ويزيد من تآكل قيمة الجنيه.
وتشير تقارير رسمية إلى أن الأضرار التي طالت المنشآت النفطية والحقول في غربي كردفان وشرقي دارفور. إضافة إلى تخريب محطات الكهرباء ونهب الخام من المستودعات الاستراتيجية، تتطلب أكثر من مليار دولار لإصلاحها.
أم درمان تعود إلى الحطب
الأزمة لم تتوقف عند الجزيرة. في أم درمان، قفز سعر أسطوانة الغاز إلى 80 ألف جنيه. ما دفع بعض الأسر للعودة إلى جمع الحطب وقطع الأشجار الجافة. في مشهد يعيد الذاكرة إلى سنوات الحروب السابقة.
ومع استنزاف الموارد الطبيعية وغلاء الفحم، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل ضغوط معيشية متزايدة وتراجع القدرة الشرائية.
مخاوف اقتصادية متصاعدة
يرى خبراء اقتصاد أن استمرار التوتر الأمريكي – الإيراني قد يدفع إلى:
ارتفاع معدلات التضخم نتيجة زيادة أسعار المحروقات والسلع المستوردة.
ضغط إضافي على الجنيه السوداني مع تراجع إيرادات الدولار واتساع عجز الموازنة.
شح في واردات الغاز إذا تعطلت الإمدادات البحرية، ما يجبر البلاد على البحث عن بدائل بتكلفة أعلى.
ورغم امتلاك السودان خطوط إمداد برية وبحرية مع دول الجوار، إلا أن أي تعطّل طويل الأمد في الملاحة الإقليمية أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين قد يضاعف الأزمة.
تحركات حكومية وطمأنة رسمية
في مواجهة هذه التطورات، عقدت الحكومة اجتماعًا للجنة الاقتصادية العليا، حيث أكد رئيس الوزراء كامل إدريس استمرار استيراد المواد البترولية وضمان توفرها في الأسواق، مع جهود وزارة الطاقة لتأمين المولدات واستقرار التيار الكهربائي في الخرطوم.
لكن، ورغم محاولات الاحتواء، يبقى التحدي ضخمًا أمام اقتصاد يعاني من هشاشة مزمنة، واحتياطات محدودة، واعتماد كبير على الإمدادات الخارجية.
بين لهب السياسة في الخليج وضيق العيش في الخرطوم، تبدو المعادلة قاسية: شرارة بعيدة قد تشعل نارًا في بيت سوداني ينتظر أسطوانة غاز… أو جالون وقود.