في عام 2023، سجلت الصين أكثر من 38 ألف براءة اختراع في مجال الذكاء الاصطناعي. مقابل 6,276 فقط للولايات المتحدة، وفقًا لبيانات مكتب الملكية الفكرية العالمي (WIPO). هذا الفارق الكبير، الذي يبلغ نحو ستة أضعاف، لا يعكس مجرد سباق تقني. بل يشير إلى تحول عميق في هيكل الاقتصاد العالمي، حيث باتت الخوارزميات هي الوقود الجديد لعصر ما بعد النفط.
وادي السيليكون الأميريكي ونظيره الصيني.. صراع السيطرة
في حين تتنافس كبرى الشركات الأميريكية مثل Google وOpenAI وMicrosoft مع نظيراتها الصينية مثل Baidu وTencent وAlibaba في سباق الهيمنة على سوق الذكاء الاصطناعي. الذي من المتوقع أن تصل قيمته إلى 15.7 تريليون دولار بحلول عام 2030. منها 7 تريليونات للصين وحدها، أي ما يعادل تقريبًا نصف الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي، وفقًا لتقديرات شركة ماكنزي.
وظائف من صنع الخوارزميات
لم يعد مستقبل الوظائف مرهونًا بقرارات الحكومات فقط، بل تعاد صياغته من خلال الخوارزميات. بينما توقع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي 2025 اختفاء نحو 92 مليون وظيفة تقليدية بحلول عام 2030. في مقابل خلق 170 مليون وظيفة جديدة تعتمد على مهارات الذكاء الاصطناعي، ما يعني إعادة هيكلة جذرية لسوق العمل العالمي.
الهند وأوروبا.. قوى ثالثة تصعد
ورغم أن المشهد يبدو محكومًا بثنائية أميريكية صينية، فإن الهند وأوروبا تسعيان إلى ترسيخ مكانتهما. فالهند، بأعداد مهندسيها المهرة، تعد أكبر مزود عالمي لمهندسي الذكاء الاصطناعي عن بعد. فيما تركز أوروبا على الجانب التنظيمي والأخلاقي، عبر سن تشريعات تحمي الخصوصية وتضمن الشفافية في استخدام الخوارزميات.
البيانات.. السلاح الأقوى في سباق النفوذ
في حين تعد السيطرة على البيانات جوهر الهيمنة في هذا السباق. وبحسب تقرير مشترك من IDC وSeagate، ستستحوذ الصين على نحو 27.8% من البيانات العالمية بحلول نهاية 2025، مقابل 17.5% للولايات المتحدة. هذه الفجوة تمنح الصين تفوقًا في تدريب خوارزميات أكثر تطورًا في مجالات حيوية كالتعرف على الوجه، المدن الذكية، وتحليل السلوك البشري.
الاستثمار في الإنسان.. رأس المال الحقيقي
في هذا السباق المحموم، تخصص الولايات المتحدة أكثر من 1.5 تريليون دولار خلال العقد المقبل لتعزيز البنية التحتية الرقمية والتعليم التقني. بينما تطور الصين مناهج الذكاء الاصطناعي ضمن التعليم العام والجامعي، وتحول مدنها إلى مختبرات مفتوحة للابتكار.
من يحكم الخوارزميات؟
مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، تتعالى الدعوات لإنشاء هيئة دولية لتنظيم الذكاء الاصطناعي على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لضمان الاستخدام المسؤول والعادل للتكنولوجيا. بينما غياب هذا التنظيم حتى الآن يفتح المجال أمام تفاوت كبير في مستوى الرقابة، ما قد يقود إلى فوضى رقمية عابرة للحدود.
الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر
رغم الاعتقاد السائد، فإن الخوارزميات تلعب دورًا محوريًا في تسريع التحول نحو الاقتصاد الأخضر، من خلال إدارة شبكات الطاقة بكفاءة، والتنبؤ بالكوارث البيئية، بينما تصميم مدن منخفضة الانبعاثات. السيطرة على هذه التطبيقات تعني ليس فقط التحكم في السوق، بل في مستقبل البيئة العالمية.
الجنوب العالمي.. خطر التهميش
الدول النامية تواجه تحديًا كبيرًا، إذ إن الاعتماد الكلي على منصات ذكاء اصطناعي خارجية قد يؤدي إلى ما يشبه استعمارًا خوارزميًا ناعمًا. كما تصبح فيه السياسات والقرارات مرهونة بأنظمة لم تبن على أسس ثقافية أو اجتماعية محلية، مما يهدد استقلال القرار الاقتصادي والتنموي.
الثقة.. مفتاح التفوق الحقيقي
وفقًا لمؤشر الثقة العالمي الصادر عن Edelman عام 2024، فإن 61% من المشاركين يثقون أكثر بتقنيات الذكاء الاصطناعي المطورة في دول غربية ذات أطر تنظيمية واضحة. كما يبرز أن التفوق في هذا الميدان لا يقاس بالتقنيات فقط، بل بمدى القدرة على بناء ثقة مؤسسية ومجتمعية مستدامة.
في ظل اقتصاد جديد ترسم حدوده بخطوط من الكود، لا بالبترول أو المعادن. يبقى التفوق من نصيب من يحسن استخدام التكنولوجيا دون التفريط بالأخلاق والشفافية. فالخوارزمية الأقوى ليست دائمًا الأسرع أو الأذكى، بل تلك التي تنجح في تحقيق التقدم دون أن تفقد ثقة البشر.