تزايدت شهية المستثمرين حول العالم على الذهب خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بالتقلبات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية. مما عزز مكانة المعدن الأصفر كملاذ آمن ووسيلة تحوط فعالة ضد المخاطر. وواصل الذهب أداءه القوي منذ بداية عام 2025، في امتداد للمسار التصاعدي الذي بدأ مع تفشي جائحة كوفيد 19 في عام 2020. وسط توقعات باستمرار الطلب القوي عليه، سواء من قبل المستثمرين الأفراد أو المؤسسات، بما في ذلك البنوك المركزية.
وكشف مجلس الذهب العالمي مؤخرًا عن أن البنوك المركزية لا تزال تحتفظ بنظرة إيجابية تجاه الذهب. وتعتزم مواصلة تعزيز احتياطياتها خلال العام المقبل، نظراً لما يتمتع به المعدن من خصائص استراتيجية، وقدرته على الحفاظ على القيمة. وتوفير تنويع فعّال للمخاطر ضمن الأصول الاحتياطية.
طلب قياسي يفوق الإنتاج
شهد الطلب العالمي على الذهب خلال عام 2024 ذروة تاريخية. حيث بلغ 4974 طناً، بقيمة إجمالية قياسية بلغت 382 مليار دولار. وسجلت البنوك المركزية وحدها مشتريات بلغت 1000 طن للعام الثالث على التوالي. ما يعكس اتجاهًا عالميًا متواصلاً نحو اقتناء الذهب كمصدر أمان مالي.
وفي الربع الأول من عام 2025، وصل الطلب على الذهب إلى 1206 أطنان. وهو أعلى مستوى لهذا الربع منذ عام 2016، في حين ارتفع إنتاج المناجم بشكل طفيف إلى 855.7 طن. مقارنة بـ853 طناً في نفس الفترة من العام السابق. وعلى مدار عام 2024 بأكمله، لم يتجاوز إنتاج الذهب العالمي 3661 طناً، وهو بالكاد يغطي الطلب المتزايد.
تصاعد التعدين غير القانوني
ارتفاع أسعار الذهب حفز ظاهرة التعدين غير القانوني، وفق ما أفاد به تقرير صادر عن مؤسسة S&P Global Commodity Insights. حيث بات هذا النشاط يمثل نحو 20% من الإنتاج العالمي للذهب، مقارنة بنسبة 4% فقط في تسعينيات القرن الماضي، حينما كانت الأونصة تباع بأقل من 250 دولارًا.
ومع تجاوز سعر الذهب عتبة 3345 دولارًا للأونصة حتى منتصف تعاملات يوم الثلاثاء. واقترابه من أعلى مستوى لهذا العام عند 3500 دولار. زادت جاذبية التعدين غير المشروع، الذي يعد نشاطًا مربحًا وسهل التهريب. ويصعب تتبعه، ما جعله بيئة خصبة للجماعات الإجرامية والمسلحة.
تداعيات بيئية واجتماعية
أدى التوسع في التعدين غير القانوني إلى أزمات بيئية واجتماعية حادة، خاصة في دول مثل غانا. حيث تخلى الكثير من المزارعين عن زراعة الكاكاو واتجهوا نحو التنقيب العشوائي عن الذهب. مما ساهم في تراجع إنتاج الكاكاو بنسبة 20% خلال العام الماضي.
وأفاد تقرير S&P Global بأن هذا النشاط خارج القانون ينتشر في نحو 80 دولة. مع تركز كبير في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث يؤدي إلى تمويل الصراعات المسلحة في إفريقيا. ويستخدم كوسيلة لغسل الأموال وتغذية الجريمة المنظمة في أمريكا الجنوبية.
في البيرو، على سبيل المثال، شكل التعدين غير القانوني نحو 28% من إنتاج الذهب، وأسفر عن مواجهات دامية. كان أبرزها عام 2022 حينما لقي 14 شخصاً مصرعهم في صدام بين عمال المناجم. أما في كولومبيا، فتشير التقديرات إلى أن الجماعات المسلحة مثل تنظيم فارك تحصل على 20% من تمويلها من خلال هذا النشاط.
وفي منطقة الأمازون، أصبح التعدين غير القانوني سبباً رئيسياً في إزالة الغابات. إذ فقدت البرازيل أكثر من 4219 هكتاراً من غاباتها المطيرة خلال العامين الماضيين بسبب هذا النشاط. وفق بيانات منظمة السلام الأخضر، وهي مساحة تعادل أكثر من 5900 ملعب كرة قدم.

المعدن الأصفر
الذهب.. بين الأمن المالي وتهديد الاستدامة
رغم الدور المتعاظم للذهب كأداة استثمارية واستراتيجية عالمية في مواجهة الأزمات. فإن تصاعد التعدين غير القانوني يكشف عن جانب مظلم لهذا الارتفاع، يتمثل في التهديدات المتزايدة للبيئة والمجتمعات المحلية والاقتصادات الشرعية. وبينما تقبل البنوك والمؤسسات على شراء الذهب، يبقى التحدي الأكبر في إيجاد توازن بين تأمين الطلب العالمي. ومكافحة الممارسات غير القانونية التي تقوض الاستدامة وتغذي العنف والجريمة.