الأربعاء, فبراير 4, 2026
الرئيسية » “الهرم الرابع” يُشرق.. مصر منحت العالم أعظم صرح لحضارة واحدة في التاريخ

“الهرم الرابع” يُشرق.. مصر منحت العالم أعظم صرح لحضارة واحدة في التاريخ

المتحف المصري الكبير
المتحف المصري الكبير

في لحظة تاريخية انتظرتها الإنسانية لعقدين من الزمان، افتتحت جمهورية مصر العربية المتحف المصري الكبير (GEM)، الذي مثَّل الصرح الثقافي الأضخم والأكثر تطوراً في العالم. توَّج هذا الافتتاح عقوداً من العمل الدؤوب ليقف شاهداً جديداً على عظمة الحضارة الفرعونية، وكان بمثابة إعلان عن ميلاد “الهرم الرابع”، الاسم الذي كانت قد أطلقته عليه الصحافة الأوروبية تيمناً بموقعه الاستراتيجي على هضبة الجيزة، على بعد كيلومترين فقط من الأهرامات الخالدة، فشكَّل امتداداً طبيعياً ورمزياً لأعظم إنجازات التاريخ المصري القديم.

كان هذا الافتتاح حدثاً عالمياً ضخماً، حيث افتُتح المتحف عند أهرامات الجيزة، وعدَّته مصر أكبر صرح حضاري بعد انتظار دام لأكثر من 20 عاماً، فكان حدثاً ثقافياً يعبّر عن عظمة الحضارة الفرعونية. أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته أن المتحف مثَّل فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة الفرعونية، ومركزاً ثقافياً وعالمياً عزز مكانة مصر بوصفها مهد الحضارات.

المتحف المصري الكبير

المتحف المصري الكبير

أكبر تجمع لآثار حضارة واحدة.. كنوز عُرضت للمرة الأولى

عدَّ المتحف المصري الكبير أكبر تجمع لآثار حضارة واحدة في العالم، فضمَّ أكثر من 100 ألف قطعة أثرية. عُرض من هذه القطع حوالي 50 ألف قطعة أمام الجمهور، بينما خُزّن الباقي في مخازن مجهزة بالكامل لغايات الدراسة والبحث العلمي.

تبرزت بين هذه المقتنيات مجموعة الملك توت عنخ آمون؛ حيث عُرضت كنوز الملك الذهبي، التي تجاوزت 5000 قطعة من مقبرته، معاً لأول مرة في قاعتين خُصصتا بالكامل لهذا الغرض، فمثَّلت تجربة مشاهدة فريدة. بالإضافة إلى ذلك، احتوت قاعات العرض الدائم مقتنيات مجموعة الملكة حتب حرس، التي ضمّت بدورها مقتنيات والدها الملك خوفو، وهي مجموعة مثَّلت حقبة مهمة في تاريخ مصر القديم. أما في البهو الرئيسي للمتحف، استقبل تمثال رمسيس الثاني الزوار، وهو تمثال ضخم كان يزن 83 طناً وبلغ ارتفاعه 11 متراً. ومن أبرز المقتنيات المكتشفة، عُرض مركب الملك خوفو، الذي كان يُعرف أيضاً باسم مركب الشمس، والذي نُقل إلى المتحف بعد عملية معقدة.

المتحف المصري الكبير

المتحف المصري الكبير

رحلة الإنجاز: عشرون عاماً من التحدي الحضاري

لم يكن المتحف المصري الكبير مجرد مشروع بناء، بل كانت مسيرة تحدٍ امتدت لأكثر من عقدين من الزمان. كانت فكرة إنشاء المتحف قد بدأت في التسعينات من القرن الماضي، ووضع حجر الأساس في عام 2002، ليُفتتح رسمياً في الأول من نوفمبر 2025.

شملت مراحل تنفيذ المشروع عدداً من الخطوات المتعددة؛ ففي عام 1992 بدأت فكرة إنشاء المتحف من قبل الوزير فاروق حسني، وفي عام 2002 تم وضع حجر الأساس للمشروع. بعد ذلك، بدأ العمل الفعلي في موقع المتحف عام 2005. وفي عام 2006 تم إنشاء مركز ترميم كبير بالشرق الأوسط، والذي خُصص للقطع الأثرية الخاصة بالمتحف. اكتمل بناء المبنى الرئيسي للمتحف، الذي بلغت مساحته أكثر من 300 ألف متر مربع، في عام 2021. وأخيراً، تم الانتهاء من جميع مراحل المشروع وافتتاحه رسمياً في الأول من نوفمبر عام 2025.

تراوحت التكلفة الإجمالية لإنشاء المتحف بين 1.2 مليار دولار أمريكي و 2 مليار دولار. وقدَّرت التكلفة الإجمالية للبناء بحوالي 1.2 مليار دولار، بينما ذكر خبراء مثل زاهي حواس أن التكلفة كانت قد تصل إلى 2 مليار دولار. كان مصدر التمويل الرئيسي هو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA)، حيث ساهمت “جايكا” في تمويل المشروع بتقديم قرض قيمته 800 مليون دولار. أما مصادر التمويل الإضافية، فشملت تمويلاً من خزينة الدولة المصرية، بالإضافة إلى التبرعات والصناديق الدولية. تضمنت تفاصيل التكاليف تكلفة تصميم الشعارات والعروض، فبلغت تكلفة تصميم شعار المتحف 800 ألف جنيه مصري، وهو جزء من تكاليف تصميم العرض المتحفي.

كما شملت التكلفة الإجمالية للمشروع أيضاً تكاليف العروض المتحفية الرقمية، وأعمال التأهيل والترميم، والتي ضمت إعداد موقع المتحف، وبناء المركز الدولي للترميم، وتجهيز البنية التحتية والرقمية. كان تباين التقديرات بين 1.2 و 2 مليار دولار يعود إلى اختلاف طرق حساب التكلفة الإجمالية، التي كانت قد تشمل البناء فقط أو تتضمن أيضاً تكاليف التصميم والعرض المتحفي والتقنيات الرقمية.

المتحف المصري الكبير

المتحف المصري الكبير

عبقرية التصميم وريادة التكنولوجيا.. ماضي بروح المستقبل

اعتمد المتحف المصري الكبير على أحدث تقنيات العالم الافتراضي والذكاء الاصطناعي، لتوفير تجربة تعليمية وفعالية غامرة للزوار.

تقنيات العالم الافتراضي والذكاء الاصطناعي

استُخدمت تقنيات الواقع المعزز، حيث كان التطبيق الخاص بالمتحف يتيح عرض معلومات رقمية ورسوم متحركة ثلاثية الأبعاد فوق القطع الأثرية بمجرد توجيه كاميرا الهاتف نحوها. كما ساعد الترميم الافتراضي في إظهار الشكل الأصلي الكامل للقطع الأثرية المتضررة عبر ترميمها افتراضياً، ووُضعت نصوص وترجمات فورية لشرح كيفية استخدام هذه القطع في العصور القديمة. من جهة أخرى، منحت تقنية الواقع الافتراضي (VR) الزوار فرصة خوض تجربة غامرة، مثل التجول في مقابر ومعابد تاريخية أعيد بناؤها رقمياً بتقنية ثلاثية الأبعاد. أما الذكاء الاصطناعي (AI) فكان يعمل كمرشد افتراضي، حيث كان يمكن للزوار مسح القطعة الأثرية ضوئياً لتلقي التفاصيل والمعلومات عنها، مما أغنى عن المرشد السياحي التقليدي. وُجدت أيضاً شاشات العرض الرقمية والأنهار الرقمية التي كانت ممرات مزودة بشاشات عرض كبيرة ومؤثرات خلقت أجواء تحاكي الآثار وتجسد تجربة تاريخية متكاملة في كل صالة.

منصة التشغيل الذكية والتجارب الخاصة

وُجدت منصة ذكية متكاملة، حيث تم ربط جميع أنظمة تشغيل المتحف، مثل الإضاءة والمصاعد والتذاكر ومواقف السيارات، باستخدام تقنيات إنترنت الأشياء (IoT) لضمان تجربة سلسة ومتصلة للزائر. وقدم المتحف أيضاً تجارب مخصصة للأطفال، كانت عبارة عن تجارب رقمية ترفيهية وتعليمية، صُممت خصيصاً لهم، مثل بناء الأهرامات والمغامرات الاستكشافية.

التصميم المعماري للمتحف وعبقرية الماضي بروح المستقبل

مثَّل تصميم المتحف المصري الكبير نقطة التقاء فريدة بين الأساليب المعمارية الحديثة والعمق الروحي والفني للتصميم المصري القديم. طُوّر هذا الصرح الضخم بتركيز شديد على تجربة الزائر الشاملة والاستفادة القصوى من أحدث التقنيات الرقمية والتفاعلية. قامت رؤية المتحف على عدد من الأفكار الرئيسية التي عكست الترابط بين التاريخ والمستقبل، منها الانتقال السلس الذي اعتمد على محاكاة التجربة الروحية في المعابد القديمة، حيث كان يمر الزائر بانتقال طبيعي ومدروس من ضوء الشمس الخارجي إلى الظلال الداخلية، مما خلق إحساساً بالرهبة والانغماس.

أما الحوار بين الماضي والمستقبل فتم عبر دمج العرض التقليدي للآثار مع التقنيات التكنولوجية المتطورة، لتقديم تفسير عصري للتراث مع المحافظة على الهوية الحضارية للقطع. عزز الموقع الاستراتيجي للمتحف، على بُعد كيلومترين فقط من أهرامات الجيزة، فكرة الارتباط العميق والمستمر بين عظمة الماضي وواقع الحاضر. وعلى الرغم من حداثة البناء، أظهر التصميم انسجاماً معمارياً كبيراً مع الآثار المصرية القديمة؛ فقد بنيت أجزاء رئيسية من الهيكل حول قطع أثرية ضخمة مثل تمثال رمسيس الثاني، مع الاهتمام بالتوازن الدقيق كما في تصميم الدرج العظيم.

المكونات والمساحات الرئيسية في المتحف

عدَّ المتحف مدينة ثقافية متكاملة، توازعت فيها المساحات بذكاء لخدمة العرض والبحث. مثل البهو والدرج العظيم المدخل الرئيسي وتجربة البداية، فضم البهو تمثال رمسيس الثاني وقطعاً ضخمة، واحتوى الدرج على 87 قطعة أثرية مختارة. خُصصت قاعة توت عنخ آمون لعرض كنوز الملك مجتمعة لأول مرة، وضمت 5 آلاف قطعة أثرية في مساحة 5000 متر مربع. كما وجدت قاعات العرض الدائم بمساحة 18,000 متر مربع، وخصصت لعرض القطع الأثرية من مختلف عصور الحضارة المصرية القديمة. واستضافت قاعات العرض المؤقت الأربع عروضاً فنية وأثرية متغيرة ولفترات زمنية محددة.

أما متحف الطفل فكان يوفر تجربة تعليمية شيقة للأطفال باستخدام الوسائط المتعددة والنماذج لشرح محتويات المتحف في مساحة 5000 متر مربع. وضمت فصول الحرف والفنون خمسة فصول خصصت لتدريب وتعليم الحرف اليدوية والفنون في مساحة 880 متر مربع. ووجدت قاعات ذوي القدرات الخاصة في مساحة 650 متر مربع. وصممت بالكامل لتكون متاحة وسهلة الوصول لجميع الزوار. شمل المتحف أيضاً مخازن الآثار الضخمة. التي احتوت على حوالي 50 ألف قطعة أثرية مجهزة بالكامل لأغراض الدراسة والبحث العلمي. كما ضمت المكتبات مكتبة رئيسية للباحثين ومكتبة متخصصة للكتب النادرة ومكتبة للوسائط المرئية.

توت عنخ آمون

الأهمية الاستراتيجية: قوة ناعمة واستثمار في المستقبل

تجاوز دور المتحف المصري الكبير وظيفته التقليدية ليصبح مركزاً حضارياً شاملاً ومحوراً للقوة الناعمة المصرية، واستثماراً طويل الأمد في التجربة السياحية والثقافية. كان الهدف منه أن يكون الوجهة الأولى لعشاق الحضارة المصرية القديمة، ليعرض قصة تاريخية غنية عدت الأكبر من نوعها عالمياً. عدَّه الخبراء رمزاً للتعاون الدولي، حيث شاركت العديد من الدول والمؤسسات العالمية في تمويله وتقديم الدعم الفني والتقني. كما وفر منصة للتبادل الثقافي العالمي، فعرض التراث المصري القديم وعزز الفهم المتبادل بين الشعوب. من الناحية الاستثمارية، كان من المتوقع أن يجذب المتحف ملايين الزوار سنوياً. مما يعزز قطاع السياحة في مصر ويزيد من الإيرادات الاقتصادية، ويوفر فرص عمل جديدة في مجالات الإرشاد السياحي والأمن والإدارة والنقل وغيرها. ولخدمة المتحف، بنيت شبكة طرق ومحاور مرورية لتسهيل الوصول إلى المبنى. وتم تطوير وتوسعة مطار سفنكس الذي يبتعد عنه مسافة 15 دقيقة فقط، بالإضافة إلى بناء ممشى سياحي بطول 1.27 كيلومتر يربط بين المتحف الكبير ومنطقة الأهرامات الأثرية. وقد حصل المتحف على الشهادة الدولية “إيدج المتطورة (EDGE Advance)” للمباني الخضراء. واعتمد من مؤسسة التمويل الدولية كأول متحف أخضر في أفريقيا والشرق الأوسط.

 

كتب: آية أمين

NightlyNews24 موقع إخباري عربي يقدم أخبار السياسة، الاقتصاد، والرياضة بتغطية يومية دقيقة وتحليلات موجزة لمتابعة الأحداث الراهنة بأسلوب مهني وموضوعي.

النشرة البريدية

آخر الأخبار

@2021 – جميع الحقوق محفوظة NightlyNews24