قال الدكتور عبد الرحمن طه، خبير الاقتصاد الرقمي، إن إطلاق المملكة العربية السعودية لمركز بيانات «هيكساجون» التابع لـ«سدايا» يمثل تحولًا استراتيجيًا عميقًا في موقع المملكة داخل الاقتصاد الرقمي العالمي، مؤكدًا أن المشروع لا يُعد مجرد بنية تحتية تقنية، بل منصة سيادية لإدارة البيانات وصناعة القيمة المضافة في عصر الذكاء الاصطناعي.
وأوضح طه في تصريح خاص، أن تصنيف «هيكساجون» ضمن الفئة الأعلى عالميًا Tier IV، وبقدرة استيعابية تصل إلى 480 ميجاواط، يضع السعودية في مصاف الدول القليلة القادرة على تشغيل بنى حوسبة فائقة الاعتمادية على مستوى حكومي، مشيرًا إلى أن هذا الحجم من الطاقة يعادل تشغيل عشرات مراكز البيانات العملاقة مجتمعة، وهو ما يعكس انتقال المملكة من مرحلة استهلاك التقنيات إلى مرحلة التحكم في بنيتها العميقة.
وأضاف أن إنشاء المركز على مساحة تتجاوز 30 مليون قدم مربعة في الرياض يؤشر إلى رؤية طويلة الأجل، لا تستهدف فقط تلبية احتياجات الجهات الحكومية الحالية، بل استيعاب النمو المتسارع في الطلب على الحوسبة السحابية، وتحليل البيانات الضخمة، وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة خلال العقد المقبل، سواء في القطاعات الحكومية أو الشراكات مع القطاع الخاص.
وأشار طه إلى أن اعتماد المركز على تصميم هندسي وفق معيار TIA-942، القائم على أنظمة تشغيل مزدوجة ومستقلة بالكامل، يعكس فهمًا دقيقًا لطبيعة المخاطر الرقمية الحديثة، موضحًا أن الجاهزية العالية والتوافر شبه الكامل للخدمات باتا عنصرين حاسمين في استقرار الحكومات الرقمية، خاصة مع تصاعد الهجمات السيبرانية واعتماد الدول المتزايد على الأنظمة الذكية في الأمن والخدمات والاقتصاد.
وأكد أن البنية الحوسبية عالية الأداء التي سيوفرها «هيكساجون» تمثل حجر الأساس لتمكين تطبيقات الذكاء الاصطناعي الوطنية، من إدارة المدن الذكية، وتحليل البيانات الصحية، والحوكمة الرقمية، وصولًا إلى دعم الصناعات الدفاعية والبحث العلمي، معتبرًا أن امتلاك هذه القدرة داخليًا يمنح المملكة ميزة تنافسية نادرة على مستوى الشرق الأوسط والعالم النامي.
ولفت طه إلى أن البُعد البيئي للمشروع لا يقل أهمية عن البُعد التقني، موضحًا أن تبني تقنيات التبريد السائل المباشر، وأنظمة التبريد الهجينة، واستخدام الطاقة المتجددة، يضع «هيكساجون» ضمن الجيل الجديد من مراكز البيانات الخضراء عالميًا، وهو ما ينعكس في استهداف خفض يقارب 30 ألف طن من الانبعاثات الكربونية سنويًا، والحصول على اعتماد الاستدامة LEED Gold.
وبين أن الأثر الاقتصادي المباشر للمشروع، والمقدّر بنحو 10.8 مليارات ريال في الناتج المحلي الإجمالي، لا يمثل سوى المرحلة الأولى، إذ إن الأثر الحقيقي سيظهر على المدى المتوسط عبر جذب الاستثمارات التقنية، وتوطين الصناعات الرقمية، وخلق وظائف نوعية في مجالات البيانات، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني.
وشدد طه على أن «هيكساجون» يرسل رسالة واضحة للأسواق العالمية مفادها أن السعودية لا تبني اقتصادًا رقميًا تابعًا، بل اقتصادًا قائمًا على السيادة على البيانات والتحكم في سلاسل القيمة الرقمية، معتبرًا أن هذا المشروع يشكل نقطة ارتكاز رئيسية في تحقيق مستهدفات رؤية 2030، وتحويل المملكة إلى مركز عالمي لصناعة القرار الرقمي والتقنيات المتقدمة.
وختم طه تصريحه بالتأكيد على أن ما تقوم به «سدايا» عبر «هيكساجون» هو إعادة صياغة لدور الدولة في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث تصبح مراكز البيانات القلب النابض للاقتصاد، وأداة النفوذ الجديدة في النظام العالمي، وهو موقع تسعى السعودية لاحتلاله بثبات وبنية تحتية من الطراز الأول.
