يعيش العالم اليوم حالة من الهوس التقني الذي لم يترك مجالًا إلا واقتحمه، لكن الصدمة الحقيقية تجلت حينما وصلت أنياب الذكاء الاصطناعي إلى الحصن الأخير للبشرية، وهو الفن. لم يعد الأمر مجرد تجارب مخبرية، بل أصبحنا أمام أفلام تنتج بالكامل عبر الخوارزميات، ومسابقات دولية تقام لأعمال لم تلمسها يد بشرية؛ مما طرح تساؤلات وجودية حول إمكانية أن تستبدل الآلة الفنان، وكيفية إدارة صناعة قائمة في جوهرها على المشاعر إذا غاب عنها الإنسان.
واقع مفروض وهل يصبح الفن بلا روح
في تصريح خاص لـ “نايتلي نيوز عربية”، فجر الفنان “ناصر هجرس” مفاجأة حين أكد أن هذا المستقبل الذي نخشاه قد أصبح حاضرًا نعيشه بالفعل، مشيرًا إلى أن المهرجانات بدأت بالفعل في تكريم أعمال أنتجها الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يرى هجرس أن هذا التطور، مهما بلغت دقته، سيظل نوعًا جديدًا موازيًا للفن الحقيقي وليس بديلًا عنه. وأوضح “هجرس” أن الذكاء الاصطناعي لن يكون الأساس في إنتاج السينما والدراما كبديل للإنسان، بل سيكون تصنيفًا مستقلًا له مهرجاناته وجوائزه الخاصة؛ حيث إن السينما حين ظهرت لم تلغِ المسرح، والذكاء الاصطناعي لن يلغي السينما البشرية مهما تطور.
إقرأ أيضًا: خاص| ما وراء الأرقام “ناصر هجرس” فنان يفضل التطور الذاتي على بريق الشهرة
أزمة تسليع الفنان وهل يبيع النجوم وجوههم
أحد أكثر السيناريوهات جدلًا في الوسط الفني هو تحول الممثل إلى مجرد رخصة أو علامة تجارية، حيث يكتفي الفنان بالتوقيع على عقد يسمح لشركات الإنتاج باستخدام وجهه وصوته مقابل أجر مادي دون أن يؤدي مشهدًا واحدًا. وعند سؤاله عما إذا كان يوافق على بيع صورته للذكاء الاصطناعي ليمثل بدلًا عنه، جاء رد “ناصر هجرس” قاطعًا بالرفض، مؤكدًا أنه لا يوجد فنان فنه حقيقي وصادق يوافق على ذلك؛ لأنه لا يعتبر نفسه رسامًا يبيع لوحة أو ملحنًا يبيع نوتة، بل هو ممثل يقدم إحساسه وموهبته. ويضيف هجرس أن الفنان يتقاضى أجرًا لأنه قرأ النص، واقتنع به، ولمسه العمل من الداخل فجسده بمشاعره. أما أن يبيع وجهه وطريقته ليوضعا في أي سياق يختاره المخرج دون رجوع إليه، فهذا تحويل للفنان إلى سلعة. ويرى أن من يحب الفن بصدق لا يمكن أن يرضى بأن يكون غائبًا عن لحظة الإبداع. أو يترك هويته الفنية في يد محرك إلكتروني يضعه في أي مكان يشاء.

ناصر هجرس
مفارقة العودة للأصل والمسرح هو الملاذ
في الوقت الذي يخشى فيه الكثيرون من انقراض المهن الفنية، يطرح هجرس رؤية مغايرة ومبشرة، بينما يرى أن تغول التكنولوجيا سيولد جوعًا لدى الجمهور لكل ما هو بشري وحقيقي. ويؤكد أن الناس ستشتاق للناس، والفن سيعود لأصله في نهاية المطاف. ويرى أن المسرح، الذي نراه الآن مهملًا أو في طريقه للانقراض، سيعود بغزارة؛ لأن الجمهور سيبحث عن اللحم والدم. وعن المشاعر الحية التي لا يمكن للخوارزمية محاكاتها على خشبة المسرح بشكل مباشر أمام الأعين.
مستقبل المعاهد والمهرجانات في عصر الآلة
تثير هذه الطفرة تساؤلات حول جدوى المعاهد الأكاديمية؛ فإذا كان الذكاء الاصطناعي هو من سيقوم بالعمل. فماذا سيدرس طلاب التمثيل والإخراج في المستقبل؟ يرى “هجرس” أن المنهج الأكاديمي يظل محصنًا لأن أساس التمثيل هو المسرح. وهو ما يتضح في أن معهد السينما في الأساس لا يحتوي على قسم تمثيل، بل يتم الاعتماد على خريجي معاهد الفنون المسرحية. مما يعزز فرضية أن المسرح هو الضمانة الوحيدة لاستمرار المهنة بشكلها الإنساني. أما عن المهرجانات، فستواجه انقسامًا حتميًا بين مهرجانات الفن البشري، التي تقيم الموهبة والجهد البدني والعمق النفسي للأداء. وبين مهرجانات التقنية التي تكرم جودة البرمجة ودقة المحاكاة والابتكار الرقمي.
يبقى التحدي الأكبر أمام صناع القرار في عالم الفن هو الحفاظ على آدمية الإبداع؛ فبينما يسهل على الذكاء الاصطناعي محاكاة الشكل ونبرة الصوت. فإنه يعجز تمامًا عن محاكاة الصدق الذي يخرج من تجربة إنسانية مريرة أو لحظة فرح حقيقية. وكما يقول ناصر هجرس، فإن الفنان الصادق لا يبيع نفسه لأن الفن ليس مجرد منتج. بل هو رحلة شعورية تبدأ من قراءة الورق وتنتهي بدمعة أو ضحكة على وجه المشاهد. وهي رحلة لا تعرف الخوارزميات طريقًا لها.