حذّرت د. رشا السيد محمد السلاب الخبير الاقتصادي ، من أن أي تعطّل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، سواء كان إغلاقًا كاملًا أو جزئيًا، يمثل “صدمة طاقة عالمية” تمتد آثارها سريعًا من أسواق النفط والغاز إلى التضخم والنمو وأسعار العملات، وصولًا إلى الاستقرار الاجتماعي في العديد من الدول.
وأكدت أن المضيق يُعد أحد أهم “نقاط الاختناق” في تصريح خاص في الاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من سوائل البترول، إلى جانب ما يقارب خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا، مع اعتماد كبير من الأسواق الآسيوية على هذه الإمدادات.
صدمة لا تتطلب إغلاقًا كاملًا
وأوضحت السلاب أن الخطر لا يرتبط فقط بقرار رسمي بإغلاق المضيق، بل إن “التعطيل الجزئي” كافٍ لإحداث اضطراب واسع، فاحتجاز سفن أو تصاعد المخاطر الأمنية أو ارتفاع أقساط التأمين قد يدفع شركات الشحن إلى تقليص المرور، ما يرفع فورًا علاوة المخاطر ويزيد تكلفة الطاقة والنقل.
وأضافت أن البدائل البرية وخطوط الأنابيب في السعودية والإمارات وإيران يمكن أن تخفف جزئيًا من الأثر، لكنها لا تستطيع تعويض كامل التدفقات التي تمر عبر المضيق، ما يعني بقاء فجوة في الإمدادات إذا طال أمد الأزمة.
تأثير مباشر على الأسعار والتضخم
وأشارت إلى أن الأسواق عادةً ما تتفاعل بسرعة مع المخاطر الجيوسياسية، حيث تقفز أسعار النفط والغاز بمجرد تنامي احتمالات فقد الإمدادات. وارتفاع الطاقة ينعكس مباشرة على معدلات التضخم عبر الوقود والكهرباء والنقل ومدخلات الإنتاج، ما يضغط على البنوك المركزية ويؤجل أي توجهات لتيسير السياسة النقدية.
وأكدت أن استمرار التعطيل لأسابيع قد يؤدي إلى تباطؤ ملحوظ في النمو العالمي، بينما قد يفتح الإغلاق الممتد لأشهر الباب أمام ركود في بعض الاقتصادات المستوردة للطاقة.
انعكاسات إقليمية متفاوتة
وبيّنت السلاب أن دول الخليج المصدّرة قد تستفيد سعريًا من ارتفاع النفط، لكنها في حال تعذر التصدير ستواجه خسارة في الإيرادات الفعلية رغم ارتفاع الأسعار، إلى جانب زيادة تكاليف التأمين والشحن.
أما الدول المستوردة للطاقة في المنطقة، فستتحمل عبئًا مزدوجًا يتمثل في ارتفاع فاتورة الاستيراد وضغوط تضخمية داخلية، ما ينعكس على الموازنات العامة وأسعار السلع والخدمات.
قراءة خاصة لمصر
وفيما يتعلق بمصر، أوضحت أن التأثير سيكون عبر ثلاثة مسارات رئيسية:
ارتفاع تكلفة الطاقة والنقل وما يترتب عليه من ضغوط تضخمية.
زيادة تكلفة الواردات نتيجة ارتفاع التأمين والشحن عالميًا.
تأثير غير محسوم على إيرادات قناة السويس، إذ قد تزيد بعض المسارات البديلة من حركة الشحن، لكن أي تراجع في صادرات الخليج قد يخفض أحجام النقل الإجمالية.
أبعاد أمنية وسياسية
ولفتت إلى أن الأزمة قد تؤدي إلى تصاعد الوجود العسكري في المنطقة، وزيادة التوترات البحرية، مع تحركات دبلوماسية من الدول الآسيوية الأكثر اعتمادًا على إمدادات الخليج، كما قد يتم اللجوء إلى الإفراج عن مخزونات استراتيجية أو إعادة النظر في سياسات الإنتاج داخل منظمة أوبك لتهدئة الأسواق.
توصيات للتعامل مع السيناريوهات المحتملة
واختتمت السلاب تقريرها بالتأكيد على أهمية استعداد الحكومات، خصوصًا المستوردة للطاقة، عبر تحديث سيناريوهات الموازنات، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية لتخفيف أثر التضخم، مشددة على ضرورة أن تعتمد الشركات سياسات تحوط مرنة وإدارة دقيقة لمخاطر الطاقة وسلاسل الإمداد.
وأكدت في ختام التقرير أن إغلاق مضيق هرمز، أو حتى تعطيله جزئيًا، لا يمثل أزمة ممر ملاحي فحسب، بل اختبارًا لقدرة الاقتصاد العالمي على امتصاص صدمات الطاقة، في ظل بيئة مالية شديدة الحساسية للتقلبات الجيوسياسية.
