لم تكن فنزويلا يومًا مجرد دولة عادية في أمريكا اللاتينية، بل كانت تعرف بمنارة الكاريبي والمقصد الأول للمهاجرين الأوروبيين الباحثين عن الفرص بعد الحرب العالمية الثانية، والبلد الذي كان يضج بالحيوية والطبقة الوسطى الصاعدة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. لكن اليوم، تحولت كراكاس إلى مسرح لواحد من أكثر فصول التاريخ الحديث إيلامًا . إن قصة فنزويلا ليست حكاية سقوط مفاجئ أو زلزال مدمر ضرب أركان الدولة في ليلة وضحاها، بل هي قصة تآكل بطيء وعملية هدم بنيوية استغرقت أكثر من عقدين من الزمن، حيث تضافرت فيها أحلام الثورة مع واقع الريع الاقتصادي، لتنتج مشهدًا سرياليًا لبلاد تسبح فوق بحيرة من الذهب الأسود بينما يبحث مواطنوها عن لقمة العيش في ظروف قاسية، أو يقطعون آلاف الكيلومترات سيرًا على الأقدام بحثًا عن أمان مفقود في بلدان الجوار.

مفارقة الثروة والفقر
عندما تفحص خريطة الطاقة العالمية، تبرز فنزويلا كعملاق يتربع على القمة باحتياطي مؤكد يناهز 300 مليار برميل، مما يضعها في مرتبة متقدمة على المملكة العربية السعودية ويمحي أي شك في امتلاكها ثروة تكفي العالم لعقود طويلة. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام الفلكية تصطدم بواقع معيشي مرير يعكس الفشل الذريع في تحويل المادة الخام إلى رفاه اجتماعي ملموس. لقد شهدت البلاد في ذروة أزمتها موجات من التضخم المفرط وصلت إلى مستويات غير مسبوقة عالميًا، حيث لم تعد العملة الوطنية “البوليفار” سوى ورق لا قيمة له، مما اضطر المواطنين لحمل كميات هائلة من العملة الورقية لشراء أبسط الاحتياجات الأساسية. هذا الانهيار دفع المجتمع نحو دولرة قسرية وغير رسمية، حيث بات الدولار الأمريكي هو المعيار الوحيد للنجاة، مما أدى إلى خلق فجوة طبقية هائلة بين قلة تملك العملة الصعبة وغالبية تتقاضى أجورًا بالعملة المحلية المنهارة.
في حين تشير التقديرات المستقلة إلى أن أكثر من 90% من السكان يعانون من مستويات فقر متفاوتة، مع وجود نسبة مرعبة تعيش في فقر مدقع يجعل من تأمين الغذاء اليومي معركة مستمرة. إن انعدام الأمن الغذائي في فنزويلا لم يعد مجرد إحصائية في تقارير المنظمات الدولية، بل هو واقع يتمثل في تراجع حاد في استهلاك البروتينات والسعرات الحرارية، وانتشار سوء التغذية بشكل حاد بين الأطفال وكبار السن. يضاف إلى ذلك انهيار المنظومة الصحية التي كانت يومًا فخرًا للقارة، حيث تحولت المستشفيات إلى هياكل خاوية تفتقر لأبسط المستلزمات الطبية من شاش ومطهرات وأدوية منقذة للحياة. وفي الوقت نفسه، تصدرت كراكاس لسنوات قوائم المدن الأعلى في معدلات الجريمة والعنف، وهو ما يعتبر نتيجة مباشرة لتفكك مؤسسات إنفاذ القانون وتحول الجريمة المنظمة إلى بديل اقتصادي في ظل انسداد آفاق العمل الشريف.
كيف قتل النفط بقية القطاعات؟
لإدراك عمق المأزق الفنزويلي، يجب الغوص في المفهوم الاقتصادي المعروف بالمرض الهولندي، وهي الظاهرة التي تفسر كيف يمكن للثروة الطبيعية أن تدمر الاقتصاد بدلًا من بنائه. في الحالة الفنزويلية، أدى التدفق الهائل للعملة الصعبة من مبيعات النفط إلى رفع مصطنع لقيمة العملة المحلية في فترات معينة، مما جعل الاستيراد أرخص بكثير من الإنتاج المحلي. النتيجة كانت كارثية على القطاعات الإنتاجية الأخرى، حيث ماتت الزراعة في السهول الخصبة لأن الدولة وجدت أنه من الأسهل استيراد الغذاء بأموال النفط بدلًا من دعم الفلاحين. كما ضمورت الصناعة المحلية وأصبحت المصانع غير قادرة على منافسة السلع المستوردة، مما أدى إلى إغلاق آلاف المنشآت الصناعية وتحول البلاد إلى اقتصاد يعتمد على مورد واحد يشكل نحو 95% من إيرادات الصادرات.
وعندما بدأت أسعار النفط بالانهيار في عام 2024، سقطت الدعامة الوحيدة التي كانت تسند الهيكل المتهالك للدولة. لم يجد الاقتصاد الفنزويلي زراعة يحتمي بها ولا صناعة تصدر منتجاتها، فانكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تزيد عن 75% في غضون سنوات قليلة. هذا الانكماش الذي لا يحدث عادة إلا في الدول التي تخوض حروبًا طاحنة، كان نتيجة طبيعية لإهمال التنوع الاقتصادي والاعتماد الكلي على تقلبات أسعار الطاقة العالمية، مما جعل المالية العامة للدولة رهينة لأسواق النفط الدولية دون وجود أي مصدات اقتصادية بديلة تسند المجتمع في أوقات الأزمات.

لماذا لا يبني النفط ديمقراطية ولا طبقة وسطى؟
يطرح الباحثون في الاقتصاد السياسي تساؤلات جوهرية حول فشل الدول النفطية غالبًا في التحول إلى ديمقراطيات راسخة، وفي فنزويلا يبدو أن طبيعة قطاع النفط نفسه لعبت دورًا في تعزيز السلطوية وتآكل الطبقة الوسطى. يتميز قطاع النفط بأنه كثيف رأس المال وقليل الاعتماد على العمالة، حيث يتطلب استخراج الخام تكنولوجيا بمليارات الدولارات لكنه لا يوظف سوى عدد محدود من المهندسين والفنيين. على عكس الصناعات التحويلية التي تستوعب آلاف العمال وتخلق دورة اقتصادية متكاملة، فإن النفط يولد ثروة ضخمة تذهب مباشرة إلى خزينة الدولة دون الحاجة لدمج قطاع واسع من الشعب في العملية الإنتاجية، مما يحول المواطن من شريك في الإنتاج إلى متلقٍ سلبي للمنح والمساعدات الحكومية.
هذا الوضع أدى إلى تآكل القدرة التفاوضية والسياسية للمجتمع، فبما أن الدولة تحصل على أموالها من باطن الأرض وليس من ضرائب المواطنين، فإنها تشعر باستقلال تام عن المجتمع وتتراجع حاجتها للمحاسبة أو التمثيل السياسي الحقيقي. مكن هذا الواقع السلطة من تسييس شركة النفط الوطنية وتحويلها من مؤسسة مهنية إلى أداة لتمويل الولاءات السياسية، مما أدى في النهاية إلى انهيار الكفاءة الإدارية داخل الشركة نفسها. كما أثر هذا النمط الاقتصادي على المشاركة السياسية للمرأة، فمع تراجع الصناعات والخدمات التي توظف النساء عادة، تلاشت الفرص الوظيفية لهن، مما عزز الأنماط الاجتماعية التقليدية وأضعف من حيوية المجتمع المدني وقدرته على المطالبة بالتغيير الديمقراطي.
دور الإدارة والعقوبات
من الخطأ المنهجي اختزال الأزمة الفنزويلية في عامل واحد، فالحقيقة تكمن في تفاعل مدمر بين سوء الإدارة الداخلية والضغوط الخارجية. داخليًا، عانى قطاع النفط من غياب الصيانة وهجرة العقول المهنية بعد موجات التسييس والفساد الذي نخر في عصب الاستثمارات، مما أدى لتراجع الإنتاج من ثلاثة ملايين برميل يوميًا إلى مستويات متدنية جدًا نتيجة تهالك المنشآت وليس نضوب الخام. وفي المقابل، جاءت العقوبات الدولية لتزيد من تعقيد المشهد، بينما منعت القيود المالية الصارمة الدولة من الوصول إلى التمويل الدولي الضروري لإصلاح البنية التحتية المتهالكة، وضيقت الخناق على حركة التجارة والقطاع الخاص.
هذا التفاعل خلق دائرة مفرغة يصعب كسرها، حيث أدى شح الموارد إلى إضعاف الخدمات العامة من كهرباء ومياه وصحة، وتدهور هذه الخدمات دفع الكفاءات الوطنية للهجرة الجماعية، وهذه الهجرة بدورها استنزفت رأس المال البشري الضروري لأي عملية إصلاح مستقبلي. النتيجة كانت حالة من الشلل العام الذي أصاب مفاصل الدولة، حيث أصبحت الحكومة والقطاع الخاص عاجزين عن التحرك في ظل تداخل الأزمات الهيكلية مع القيود الخارجية، مما جعل المواطن العادي هو الضحية الأولى لهذا الصراع الممتد.
التحديات الكبرى أمام أي مسار تعافٍ
مهما يكن المسار السياسي الذي ستسلكه البلاد في المستقبل، فإن فنزويلا تواجه ملفات ثقيلة تتطلب عقودًا من العمل لإعادة بنائها. التحدي الأول يكمن في إعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة في الدولة والقضاء والهيئات الرقابية، إذ لا يمكن جذب استثمارات حقيقية في ظل غياب سيادة القانون. كما تبرز ضرورة تنويع الاقتصاد وكسر الاعتماد الأحادي على النفط عبر إحياء القطاع الزراعي والصناعات الخفيفة، وهي مهمة شاقة تتطلب تغيير الثقافة الاقتصادية التي ترسخت لجيل كامل.
إضافة إلى ذلك، يحتاج قطاع النفط نفسه إلى استثمارات ضخمة وتكنولوجيا حديثة وإدارة شفافة لرفع الإنتاج، وهو ما يتطلب قوانين استثمارية جاذبة واستقرارًا سياسيًا طويل الأمد. وعلى الصعيد المالي، يتعين على فنزويلا التفاوض حول ديون خارجية هائلة تزيد عن 150 مليار دولار، وإعادة إدماج اقتصادها في النظام المالي العالمي. أما التحدي الأكثر إيلامًا فهو الملف الإنساني المتمثل في معالجة الفقر المدقع وخلق الظروف المناسبة لعودة ملايين المهاجرين، والذين يمثلون العقول والكفاءات التي تحتاجها البلاد لإعادة الإعمار، وبدون عودتهم ستظل أي محاولة للتعافي منقوصة من ركنها الأساسي وهو العنصر البشري المؤهل.