لو كنت فاكر إن العزل والحظر والخوف من كورونا كان أقصى ما يمكن أن يتحمله إنسان، فإنت ما شوفتش الكوليرا وهي بتدخل قرية كاملة وتمسحها من الوجود في أيام.
وباء مكنش بيدي فرصة للعلاج ناس بتمشي على رجليها وتوقع ميتة في الشارع، وأمهات بتوقف قدّام أولادها محتارة: تحضنه فتموت ولا تسيبه يموت لوحده.
قرية حاصرها الجيش ووباء قتل الآلاف في ساعات
في صيف سنة 1902، وبين ملايين الحُجّاج في مكة، انتشر وباء الكوليرا كالنار في الهشيم.
ناس رايحة تتقرب من ربنا رجعت شايلة معاها مرض بيقتل في ساعات.
من بين الحُجّاج كان عمدة قرية “موشا” التابعة لأسيوط. رجل متعلم، غير جاهل، لكنه حمل معه أخطر هدية ممكنة:
10 صفايح من مياه زمزم.
مياه مقدسة في نظر الجميع، لكنها في تلك السنة كانت موبوءة بميكروب الكوليرا.
لا العمدة كان يعلم، ولا أطباء الحجر الصحي اكتشفوا الكارثة.
عاد الرجل إلى قريته، ووزّع مياه زمزم على أهله ومعارفه، بل إن البعض صبّها في الآبار “تبركًا”.
وبعد أيام… بدأت النهاية.
☠️ الموت في الشوارع
الناس بدأت تقع حرفيًا في الطرقات.
قيء، إسهال، زرقة، ثم موت خلال ساعات.
شخص كان واقف يتكلم بعدها بلحظات جثة.
أمهات امتنعت عن الاقتراب من أولادها المصابين خوفًا من العدوى.
وأمهات أخريات حضنّ أبناءهن فماتوا جميعًا.
بيوت كاملة اتصفّت.
قرية “موشا” الصغيرة – 3 إلى 4 آلاف نسمة – تحولت إلى جزيرة محاصرة بالموت.
درجة الحرارة تخطت 53 درجة في الظل، والناس كانت تشرب من المياه أكثر كلما زاد التعب دون أن تدري أنها تشرب السم.
🚫 الجيش يحاصر القرية
الحكومة فرضت حصارًا كاملًا: لا دخول ولا خروج.
لكن الوباء لم يتوقف، بل بدأ يتسلل إلى قرى مجاورة.
هنا فهمت الدولة أن مصر كلها على حافة كارثة، فاتخذت قرارًا غير مسبوق: تجنيد طلاب الطب.
توقفت الدراسة، أُجّلت الامتحانات، وأُرسل طلاب السنوات المتقدمة لمواجهة مرض كان يقتل الأطباء قبل المرضى.
🩺 طالب طب يواجه الموت
من بينهم شاب اسمه نجيب محفوظ — الذي سيصبح لاحقًا أحد أعظم أطباء مصر.
كان يفحص ركاب قطارات الصعيد في القاهرة، حتى قرأ خبر وفاة طبيب بالكوليرا في موشا.
قرر يترك الأمان… ويتجه إلى قلب الجحيم.
سافر إلى أسيوط، ولم يجد وسيلة للدخول إلى القرية المحاصرة سوى حمار هزيل.
وصل، والتقى كبير الأطباء الإنجليز “جودمان”، الذي قال له:
“هناك بئر هو سبب استمرار الكوليرا لكننا لا نعرف أيهم.”
🧠 عبقرية بلا أجهزة
نجيب محفوظ لم يكن معه معمل ولا تحاليل. كان معه العقل. بدأ يسأل: مين شرب من أي بئر؟ مين مرض؟ ومين مات؟ مين سليم؟ رسم خريطة ذهنية للقرية، ولاحظ أن الحالات الأخطر كلها تشرب من بئر واحد عند فحصه، وُجدت رواسب عضوية بيئة مثالية لميكروب الكوليرا القادم من مياه زمزم. صدر القرار فورًا: ردم البئر تطهير باقي الآبار وبعدها بدأ الوباء يختفي.
📊 أرقام مفزعة
وباء الكوليرا عام 1902: 34,595 مصريًا لقوا حتفهم
قرى كاملة اختفت، عائلات مُسحت من السجلات
لكن وسط الرعب، كان هناك من اختار المواجهة بدل الهروب.
🔁 التاريخ يعيد نفسه
بعد 45 سنة، في 1947، عادت الكوليرا: البيوت تُشمع، المصل إجباري
أم كلثوم تجمع التبرعات
الجثث تُجمع من أمام المنازل، أكثر من 20 ألف وفاة نفس الخوف، نفس العدو.
🕯️ الخلاصة
أخطر ما في الأوبئة ليس المرض نفسه، بل أن يخاف الناس من بعض أكثر مما يخافون من المرض.
ولو الكوليرا حصلت النهارده، وسط فيسبوك وتيك توك والإشاعات والهلع…
هل كنا هننقذ بعض؟ ولا كنا هنقتل بعض بالرعب؟