كتبت /نوران الرجال
يشكل التوتر بين بعض الدول العربية وإيران أحد أبرز مصادر القلق الجيوسياسي في منطقة الخليج، لكن بعيدًا عن التحليل العسكري، يبقى السؤال الأهم اقتصاديًا: كم قد تكلف الحرب؟ وكيف ستؤثر على النفط والعملات والنمو العالمي؟
هذا المقال يقدّم قراءة اقتصادية موحّدة تستند إلى تقديرات مؤسسات مالية ودولية وتحليلات أسواق الطاقة.
اولا كم قد تبلغ تكلفة يوم حرب اقتصاديًا؟
لا توجد صيغة ثابتة لحساب “تكلفة يوم حرب”، لأن التأثير لا يقتصر على الإنفاق العسكري المباشر، بل يشمل:
خسائر إنتاج النفط
ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين
تراجع الأسواق المالية
انخفاض النمو العالمي
وفق تحليل صادر عن Bloomberg Intelligence بالتعاون مع Bloomberg Economics، فإن تصعيدًا واسعًا في الخليج قد يدفع أسعار النفط إلى 150 دولارًا للبرميل، ويؤدي إلى خسارة تقارب تريليون دولار من الناتج العالمي إذا استمر الصراع لعدة أشهر.
إذا قُسّمت هذه الخسارة على فترة صراع تمتد 6 أشهر مثلًا، فقد يعني ذلك تكلفة اقتصادية عالمية تقديرية تتجاوز 5 مليارات دولار يوميًا (كتأثير غير مباشر على الاقتصاد العالمي).
أما بالنسبة للدول المنتجة، فإن توقف تصدير عدة ملايين برميل يوميًا (ولو مؤقتًا) قد يعني خسائر يومية بمئات الملايين من الدولارات لكل دولة تعتمد ميزانيتها على النفط.
ثانيًا: النفط… العامل الحاسم في المعادلة
يمر جزء كبير من صادرات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وهو ممر استراتيجي لأي اقتصاد عالمي يعتمد على الطاقة.
ماذا يحدث لو تعطّل الإمداد؟
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن صدمة نفطية كبيرة (تعطل 6–8 ملايين برميل يوميًا) قد تدفع الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 140 و157 دولارًا للبرميل في سيناريو شبيه بأزمات السبعينيات.
حتى بدون إغلاق كامل، مجرد تصاعد التوتر غالبًا ما يرفع الأسعار بنسبة 5–15% خلال أيام، بسبب عامل “الخوف” في الأسواق.
التأثير المزدوج على الخليج
إيجابي قصير الأجل: ارتفاع الأسعار يعني إيرادات نفطية أكبر.
سلبي متوسط وطويل الأجل: ارتفاع المخاطر يرفع تكلفة التأمين، ويؤجل الاستثمارات، ويقلل تدفق رؤوس الأموال.
أي أن المكسب السعري قد يتآكل بسبب ارتفاع المخاطر السيادية.
ثالثًا: أثر الحرب على العملات
1. الدولار والعملات الآمنة
في أوقات الأزمات الجيوسياسية، يتجه المستثمرون نحو الدولار الأمريكي والذهب كملاذات آمنة، مما يؤدي إلى:
ارتفاع قيمة الدولار
ضغط على عملات الأسواق الناشئة
زيادة كلفة الاستيراد للدول غير المنتجة للطاقة
2. العملات الإقليمية
العملة الإيرانية ستكون تحت ضغط إضافي بسبب العقوبات وضعف الاحتياطيات.
عملات الخليج المرتبطة بالدولار ستكون أكثر استقرارًا نسبيًا، لكنها قد تواجه ضغوطًا غير مباشرة إذا طال أمد الصراع.
رابعًا: التضخم والنمو العالمي
ارتفاع النفط لا يبقى في سوق الطاقة فقط، بل ينتقل إلى:
أسعار النقل
أسعار الغذاء
تكاليف الإنتاج الصناعي
تشير تقديرات اقتصادية إلى أن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر البرميل قد ترفع التضخم العالمي بنحو 0.4–0.6 نقطة مئوية.
السيناريو عند 120–150 دولارًا للبرميل
قد يرتفع التضخم عالميًا بشكل ملحوظ
قد تضطر البنوك المركزية إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة
يتباطأ النمو الاقتصادي في أوروبا وآسيا
خامسًا: من يتحمل العبء الأكبر؟
الدول المنتجة
قد تحقق إيرادات أعلى مؤقتًا، لكنها تواجه:
مخاطر استهداف البنية التحتية
هروب الاستثمارات
ارتفاع تكاليف التأمين
الدول المستوردة للطاقة
تتحمل العبء الأكبر عبر:
ارتفاع فواتير الطاقة
زيادة الدعم الحكومي
تراجع القوة الشرائية
الاقتصاد العالمي
الخاسر الأكبر في حال توسع الحرب هو الاقتصاد العالمي ككل، حيث تتداخل الطاقة بالتجارة والصناعة والخدمات.
التداعيات الاقتصادية الشاملة للحرب في الخليج
من منظور اقتصادي بحت:
تكلفة الحرب قد تصل إلى مليارات الدولارات يوميًا عالميًا إذا اتسع نطاقها.
أسعار النفط قد تقفز إلى مستويات تاريخية في أسوأ السيناريوهات.
التضخم سيرتفع، والنمو سيتباطأ.
لا يوجد “رابح اقتصادي صافٍ” من حرب واسعة في الخليج.
لهذا السبب يسود منطق الردع وإدارة التوتر بدل المواجهة المباشرة، لأن كلفة الانفجار الشامل اقتصاديًا قد تتجاوز المكاسب السياسية أو العسكرية لأي طرف