منذ أن عرفت البشرية المجالس النيابية، كان المبدأ واحدًا لا يتغير: النائب وُجد ليكون صوت الناس، درعهم تحت القبة، ولسان حال من منحوه الثقة سواء بالانتخاب أو بالتعيين.
لكن المشهد الذي يتكرر مؤخرًا في مصر يطرح سؤالًا صادمًا: متى أصبح الدفاع عن قرارات الحكومة أولوية على حساب الدفاع عن المواطن؟
أثار الجدل الذي دار مؤخرًا حول الهواتف المحمولة المُجمّعة محليًا، وتصريحات متباينة بين رئيس لجنة الاتصالات بمجلس النواب ونواب آخرين، حالة من الغضب الواسع على مواقع التواصل الاجتماعي.
ليس فقط بسبب الأرقام المتضاربة، بل بسبب الموقف المعلن لبعض النواب الذي بدا، في نظر كثيرين، أقرب إلى تبرير سياسات حكومية منه إلى مساءلتها أو الدفاع عن المستهلك.
ففي الوقت الذي اشتكى فيه مواطنون من ارتفاع الأسعار، وتحدث نواب عن فروق سعرية وصلت – بحسب تصريحاتهم – إلى نسب كبيرة، خرجت تصريحات برلمانية تؤكد أن الأمور “طبيعية” وأن الأسعار لم ترتفع، بل إن الهواتف المحلية أرخص من نظيرتها المستوردة.
هذا التناقض فتح بابًا أوسع للنقاش:
هل دور النائب هو طمأنة الشارع أم نقل قلقه ومحاسبة المسؤولين؟
وهل من الطبيعي أن يُعلن رئيس لجنة برلمانية انحيازًا واضحًا لقرارات تمس جيوب المواطنين دون إبداء أي تحفظ أو مطالبة بمراجعة؟
دستوريًا، النائب البرلماني لا يمثل الحكومة. بل يمثل الأمة بأكملها. ويمارس دورًا رقابيًا وتشريعيًا يهدف إلى تحقيق التوازن بين السلطة التنفيذية. وحقوق المواطنين.
والاختلاف في الرؤى داخل البرلمان أمر مشروع. لكن الإشكالية تبدأ عندما يشعر المواطن أن صوته غائب. وأن من يفترض بهم الدفاع عنه باتوا في موقع الدفاع عن السياسات. لا عن المتضررين منها.
ربما لم يشهد تاريخ البرلمانات نموذجًا متكررًا لما يمكن تسميته مجازًا. «نائب الشعب ضد الشعب».
وإذا كان هذا الدور الجديد واقعًا مفروضًا. فالأجدر ساخرًا. أن يُسجَّل باسمنا كبراءة اختراع سياسية مصرية خالصة!
أما الواقع. فيبقى سؤال الشارع حاضرًا بقوة: من يتحدث باسم المواطن داخل البرلمان. إذا اختار بعض نوابه الصمت… أو الاصطفاف في الاتجاه المعاكس؟