في زمنٍ تتصاعد فيه الضغوط النفسية والاجتماعية. ويغلب عليه الإيقاع السريع الذي لا يترك مساحة كافية للتأمل أو التوازن. بات البحث عن أدوات لفهم الذات وتحسين جودة الحياة أمرًا حتميًا. بين أعباء العمل. وتشابكات العلاقات الأسرية. ومتطلبات الحياة اليومية. يجد كثيرون أنفسهم عاجزين عن إدارة مشاعرهم أو اتخاذ قرارات واضحة. هنا يبرز دور الكوتش النفسي والمرشد الروحي. الذي لا يفرض حلولًا جاهزة. بل يمنح الإنسان وعيًا وأدوات تساعده على مساعدة نفسه. ومن بين الأسماء البارزة في هذا المجال، تبرز أسم “كوتش سارة ربيع”. التي اختزلت فلسفتها المهنية في شعار بسيط وعميق في آن واحد “هساعدك تساعد نفسك”. وهو شعار لم يكن وليد الصدفة، بل خلاصة رحلة وتجربة ومنهج عمل متكامل يجمع بين الكوتشينج. والعلاج النفسي الشعوري. والإتيكيت. وتقنيات الأنيجرام. بهدف تمكين الأفراد من اكتشاف ذواتهم وبناء حياة أكثر اتزانًا.
أجرت كوتش سارة ربيع هذا الحوار الخاص مع “نايتلي نيوز عربية”. كاشفةً خلاله عن فلسفتها المهنية القائمة على تمكين الإنسان من مساعدة نفسه. ومستعرضةً تجربتها في مجال الكوتشينج النفسي والعلاج الشعوري. إلى جانب رؤيتها للعلاقات الإنسانية والتوازن النفسي في ظل ضغوط الحياة المعاصرة.
شعار كوتش سارة ربيع “هساعدك تساعد نفسك”
تعكس هذه العبارة جوهر العلاقة التي تؤمن بها سارة بين الكوتش والعميل. حيث ترى أن الكوتش الحقيقي لا يتخذ قرارات نيابة عن الآخرين. ولا يمارس دور الوصي. بل يساند العميل ليصل بنفسه إلى قراراته. وتوضح أن هذا الشعار جاء أثناء دراستها للدبلومة. حين طُلب منها تحديد رسالتها الشخصية، فوجدت أن أقصى ما يمكن أن تقدمه هو تمكين الإنسان من مساعدة نفسه، معتبرة أن دورها يقتصر على رسم الطريق، بينما يبقى القرار النهائي بيد العميل. من وجهة نظرها، هذا هو الفارق الجوهري بين الكوتشينج والعلاج النفسي التقليدي، حيث يقود العميل رحلته بنفسه، بينما توفر له الأدوات والوعي والإلهام اللازمين لإحداث التغيير.
الإتيكيت وعلم النفس الشعوري والأنيجرام
تنطلق سارة ربيع من إيمان راسخ بأن الإنسان لا يمكن اختزاله في جانب واحد، ولذلك تعتمد على منهج تكاملي يجمع بين تعديل السلوك الظاهري ومعالجة المشاعر العميقة. فهي ترى أن الإتيكيت ليس مجرد مظهر اجتماعي، بل أداة لبناء الثقة وتحسين التواصل، وأن السلوك في جوهره ناتج عن شعور متجذر في الداخل. وتوضح أن كثيرًا من السلوكيات المزعجة يكون سببها مشاعر مخزنة في اللاواعي منذ الطفولة، ما يتطلب تدخلًا شعوريًا عميقًا. وفي هذا الإطار، تلعب تقنيات الأنيجرام دورًا محوريًا، إذ تساعدها على فهم نمط شخصية العميل ضمن الأنماط التسعة، وبناء خطة عملية تمتد لثلاثة أشهر، تتوافق مع طبيعته واحتياجاته، بينما يركز العلاج الشعوري على إزالة المشاعر السلبية كالخوف والقلق والتوتر، ما يؤدي إلى تغيير سريع وفعّال في السلوك.
التحدي الأكبر في التأثير على الجمهور
بصفتها محاضرة معتمدة وكوتش محترفة، واجهت سارة تحديًا كبيرًا في القدرة على جذب انتباه جمهور متنوع خلال محاضرات طويلة. وترى أن التأثير الحقيقي يبدأ من اللحظة الأولى، حين ينجح المحاضر في كسب قلب المتلقي قبل عقله. وتؤمن بأن المعلومة الناجحة هي تلك التي تجمع بين العمق والبساطة، وتُقدَّم بروح خفيفة تضمن استمرار التفاعل طوال مدة المحاضرة. هذا الإدراك قادها إلى قناعة أعمق بأن كل إنسان يحتاج إلى مرشد في حياته، وحتى الكوتش نفسه قد يحتاج إلى كوتش آخر، لأن من يكون داخل الصورة قد لا يرى الطريق بوضوح.
خرافة الزواج.. “هيتغير بعد الجواز”
من خلال عملها في الإرشاد الزواجي، لاحظت سارة أن كثيرًا من الأزمات الزوجية تبدأ جذورها في مرحلة الخطوبة. نتيجة تجاهل مؤشرات واضحة بدافع الأمل في التغيير بعد الزواج. وتعتبر أن أخطر خرافة تهدد العلاقات هي الاعتقاد بأن الشريك سيتغير تلقائيًا بعد الجواز. مؤكدة أن الخطوبة مرحلة لاكتشاف الطباع والسلوكيات. وليست مجرد تجهيز للزواج. وترى أن تجاهل عدم التوافق في هذه المرحلة غالبًا ما يقود إلى صراعات مزمنة داخل الحياة الزوجية.
متى يحتاج الزوجان لكوتش متخصص؟
تؤكد سارة أن اللجوء إلى كوتش متخصص لا يعني فشل العلاقة. بل يعكس وعيًا ورغبة في الفهم قبل تفاقم المشكلات. وتشير إلى أن تدخل الأهل ليس دائمًا الحل الأمثل. خاصة في حالات العنف أو السلوكيات المؤذية. حيث يصبح التدخل المهني ضرورة. وتوضح أن الكوتش يعمل غالبًا مع الطرف الأكثر وعيًا. لمساعدته على فهم نفسه وطبيعة شريكه ولغات الحب بينهما. ما قد يؤدي إلى تحسن ملحوظ في العلاقة حتى دون حضور الطرف الآخر.
ركائز الزواج الناجح
في ظل ارتفاع نسب الطلاق. تطرح سارة تصورًا واضحًا لأسس الزواج المستقر. مؤكدة أن التقبّل يأتي في المقدمة. سواء في الشكل أو الصفات. يليه تحمّل المسؤولية والاهتمام، لأن الحب وحده لا يكفي. كما تشدد على أن المودة والرحمة، كما وردتا في القرآن الكريم. تمثلان حجر الأساس للاستقرار والسعادة. ومع توافر هذه الركائز يصبح الزواج أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة.
التوازن بين الحياة المادية والسلام الداخلي
ترى سارة أن السلام الداخلي لا ينفصل عن النجاح المادي. بل يكمله. وتوضح أن القلب يمثل البوابة التي تربط بين العالم المادي والروحي. وأن التواصل مع القلب ينعكس توازنًا على مختلف جوانب الحياة. لذلك تعمل في منهجها على ستة محاور رئيسية تشمل الروح. والعقل. والجسد. والنفس. والعلاقات. والمهنة. معتبرة أن تحقيق التوازن بينها يمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهة الضغوط اليومية.
الصدمات القديمة وسلوكيات الحاضر
تشير سارة إلى أن كثيرًا من سلوكيات الحاضر ما هي إلا انعكاس مباشر لمشاعر وتجارب قديمة لم تُعالج بشكل صحيح. فالأفكار تولّد مشاعر. والمشاعر تقود إلى سلوك. والمشاعر السلبية المخزنة في الجسد منذ الطفولة تظل تؤثر على تصرفات الإنسان الراهنة. ومن هنا يأتي دور العلاج الشعوري في إزالة هذه المشاعر. ما يسرّع عملية التغيير مقارنة بالأساليب التقليدية.
نصائح للأهالي: الحب كأداة أساسية
في حديثها عن التربية، تؤكد سارة أن الحب المستمر هو الأساس في بناء علاقة صحية مع الأطفال. وتنصح الأهالي بإنشاء ما تسميه “بنك العاطفة”. من خلال إيداع يومي لمشاعر الحب عبر التلامس. والوقت. والكلام. والهدايا. مشددة على أن الحب لا يفسد الأطفال. بل يساهم في تكوين شخصية مستقرة وسليمة نفسيًا.
أول خطوة في رحلة التعافي النفسي
ترى سارة أن أي رحلة تعافٍ حقيقية تبدأ من الداخل حين يجلس الإنسان مع نفسه. يتعرف عليها. ويسامحها. ويساعدها على رؤية الجوانب الإيجابية. وتؤكد أن الحوار الداخلي الإيجابي يمثل حجر الأساس لأي تغيير حقيقي ومستدام.
كلمة أخيرة لكل من يشعر بالضياع
في ختام حديثها. توجّه سارة رسالة لكل من يشعر بالحيرة أو الضياع. داعية إلى التركيز على ما يقع تحت سيطرة الإنسان. من أفكار ومشاعر وسلوكيات. بدل الانشغال بالماضي أو بتصرفات الآخرين. وأن البداية الحقيقية تنطلق من حب الإنسان لنفسه. كما أعربت عن امتنانها لكل من دعمها في مسيرتها المهنية. معتبرة أن أعظم إنجازاتها هو تمكين الآخرين ونشر الوعي بأهمية الصحة النفسية والكوتشينج والعلاج الشعوري بصورة صحيحة. وأكدت أن تمكين الإنسان من فهم ذاته والتواصل مع مشاعره هو الطريق الحقيقي للتغيير. مشددةً على أن الوعي بالصحة النفسية لم يعد رفاهية. بل ضرورة أساسية لبناء فرد متزن ومجتمع أكثر صحة.
